«الغبار» لعمر عبد العزيز.. سرد حرّ يعبر الأجناس الأدبية

نظّم النادي الثقافي العربي في الشارقة، مساء السبت، جلسة نقاشية حول رواية «الغبار» للدكتور عمر عبد العزيز، بمشاركة الناقد عبد الفتاح صبري والكاتب الصحفي محمد ولد محمد سالم، وبحضور مؤلف الرواية ونخبة من الأدباء والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي، وذلك في إطار فعاليات النادي الرامية إلى إبراز الإبداع العربي وفتح مساحات للحوار حول قضايا الفكر والثقافة.
وتناول المشاركون التجربة السردية في الرواية، وما تنطوي عليه من أسئلة وجودية وفلسفية، وتقاطعات بين الحكاية والفكر والتصوف، إلى جانب توظيف الرمز في استكشاف تحولات العالم المعاصر.
ويُعد الدكتور عمر عبد العزيز كاتباً وباحثاً ومفكراً، يشغل منصب مدير الدراسات والنشر في دائرة الثقافة بالشارقة، ورئيس مجلس إدارة النادي الثقافي العربي. وقد أصدر أكثر من ثمانين مؤلفاً في مجالات الفكر والنقد والرواية وعلم الجمال، فضلاً عن إسهاماته الثقافية وأعماله الفنية المتنوعة.
وصدرت رواية «الغبار» عن بلاتينيوم بوك للنشر والتوزيع في الكويت عام 2023، لتشكل امتداداً لتجربة الكاتب الروائية ذات البعد الفكري والسيري، التي تتناول أسئلة الوجود والإنسان، ومن أبرز أعماله في هذا المسار «الحمودي» و«النسيان» و«سلطان الغيب».
الغبار بوصفه حيلة فنية لإعادة النظر في الإدراك
استهل الناقد عبد الفتاح صبري مداخلته بالحديث عن تيار ما بعد الحداثة في الرواية، الذي يتجاوز البناء الدرامي التقليدي والحدث المركزي، ويعتمد على تدفق المشاعر والرموز والانتقالات المفاجئة بين العوالم، معتبراً أن «الغبار» تنتمي إلى هذا المسار السردي.
وأوضح أن الرواية تستحضر حالة العالم من خلال مدينة متخيلة، يتخذ فيها الكاتب من الغبار حيلة فنية لتصوير محاولات البشر اتقاءه عبر حجب حواسهم، والبحث عن وسائل بديلة لفهم الحياة والتعامل مع واقع متغير. ويتيح هذا التصور الافتراضي قراءة ردود أفعال الإنسان إزاء الأحداث الداخلية والخارجية، وما تفرضه من مراجعة لأدوات الإدراك.
وأشار صبري إلى أن الغبار في الرواية يتجاوز حضوره المادي ليصبح مدخلاً إلى التفكير في علاقة الإنسان بواقعه السياسي والاجتماعي والكوني، مؤكداً أن النص يدعو إلى إعادة النظر في طرائق الفهم، وإعمال الحواس والعقل في قراءة العالم المحيط.
وأضاف أن عمر عبد العزيز يجمع في الرواية بين موقع الكاتب والسارد، وهو نهج يتكرر في أعماله الروائية التي تتضمن جوانب من سيرته الذاتية. وتبرز في «الغبار» تجربة ثلاث غيبوبات مرّ بها الكاتب، لا بوصفها وقائع شخصية فحسب، بل باعتبارها مدخلاً إلى رصد آثارها الفكرية والإنسانية.
ولفت صبري إلى أن الرواية لا تقوم على حدث موحد؛ إذ تتخلل صفحاتها اقتباسات فلسفية وتأملات في الكون وأسئلة تتصل بالغيب والنجوم وحركة الأفلاك ودوران الأرض. وتؤكد هذه الانتقالات، بحسب قراءته، أن الكاتب لا يسعى إلى تقديم رواية بالمعنى التقليدي، بقدر ما يستكشف حالة العالم وأسئلته الكبرى، مستحضراً في ذلك أعمالاً أخرى له، مثل «الحمودي» و«النسيان» و«المسترنمون».
بين الحكاية والفلسفة.. نص يرفض التصنيف
من جانبه، رأى الكاتب محمد ولد محمد سالم أن الرواية لا تعتمد حدثاً مركزياً أو شخصية أو مكاناً وزماناً ثابتاً، بل تنطلق من سؤال وجودي تتشعب حوله الأفكار وتتداخل فيه التناقضات، لتتغير عناصر الحكاية تبعاً لمسار السؤال وتحولاته.
وأوضح أن السرد لدى عمر عبد العزيز يتحرك في منطقة وسطى بين الحكاية والسؤال الفكري المباشر، وبين الأدب والفلسفة، مستحضراً في ذلك تقاطعات مع الكتابات الصوفية لابن عربي وإخوان الصفا، وما تحمله من رؤى فكرية وأدبية تتصل بتاريخ التصوف.
وأضاف أن الكاتب يقدم نصاً سردياً حراً لا يستقر في جنس أدبي محدد، بل تتداخل فيه عناصر الرواية والشعر والنصوص الحجاجية والتاريخية والعلمية، بما يمنحه قدرة على الانتقال بين أشكال التعبير المختلفة، ومساءلة الأفكار والتصورات السائدة.
وشهدت الجلسة مداخلات من الحضور تناولت الطبيعة الفلسفية والأسئلة الوجودية في الرواية، وعلاقة السرد بالتصوف والفكر الإنساني، وطرائق توظيف الرمز في التعبير عن تحولات العالم المعاصر.
وفي ختام الجلسة، كرّم النادي الثقافي العربي الدكتور عمر عبد العزيز، تقديراً لتجربته الإبداعية وإسهاماته الفكرية، وقدم له شهادات تقدير ولوحة خطية.
