النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار17 مايو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

مسرح الشارقة الوطني.. حين تحوّلت الخشبة إلى ذاكرة ثقافية عربية

مسرح الشارقة الوطني.. حين تحوّلت الخشبة إلى ذاكرة ثقافية عربية

منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، لم يكن مسرح الشارقة الوطني مجرد فرقة تقدم عروضاً فنية على خشبة المسرح، بل مشروعاً ثقافياً متكاملاً حمل على عاتقه صياغة الوعي الجمالي والفكري في دولة الإمارات، مستنداً إلى رؤية ثقافية آمن بها سلطان بن محمد القاسمي الذي اعتبر أن «المسرح مدرسة للأخلاق والحرية»، فحوّل المسرح في الشارقة إلى ركيزة أساسية من ركائز النهضة الثقافية العربية الحديثة.

وتعود البدايات الأولى للفرقة إلى عام 1973 حين تأسست تحت اسم «جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح»، قبل أن تُشهر رسمياً عام 1978 كواحدة من أوائل الفرق المسرحية المنظمة في الإمارات. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الفرقة في ترسيخ حضورها عبر أعمال مسرحية حملت بعداً فنياً ورسالة اجتماعية وفكرية، فغدت الخشبة مساحة للتنوير وتشكيل الوعي، لا مجرد منصة للترفيه، بحسب تقرير نشرته صحيفة الخليج.

وشهدت تلك المرحلة حضور أسماء أسست للمسرح الإماراتي الحديث، من بينهم عبدالله المناعي، وعلي خميس، وعبد الرحمن الصالح، وإسماعيل حسين، بينما شكل دمج الفرقة مع «مسرح الإمارات» محطة مفصلية أسهمت في توسيع حضورها الفني، بدعم مباشر من حاكم الشارقة الذي وفر للفرقة إمكانات لوجستية وتنظيمية غير مسبوقة، لتصبح واحدة من أكثر الفرق استقراراً وتأثيراً في المشهد الثقافي الخليجي والعربي.

وقبل الإشهار الرسمي للفرقة، قدمت عروضاً لافتة كان أبرزها مسرحية «شمس النهار» عام 1977، عن نص لـتوفيق الحكيم وإخراج صقر الرشود، في عرض حضره جمهور كبير إلى جانب حاكم الشارقة، ليعلن ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الإماراتي، مرحلة انتقل فيها المسرح من الهواية المحدودة إلى الفعل الثقافي المؤثر عربياً.

ولم يقتصر دور الفرقة على العروض المسرحية، بل أدركت مبكراً أهمية الإعلام الثقافي في ترسيخ الحركة المسرحية، فأصدرت عام 1979 مجلة «الرولة»، التي تحولت إلى منصة متخصصة في نشر الثقافة المسرحية، وقدمت عبر صفحاتها حوارات نقدية ونصوصاً مترجمة ومتابعات للحراك المسرحي المحلي والعربي، ما جعلها إحدى العلامات المبكرة في الصحافة المسرحية الخليجية.

وعلى امتداد عقود، احتضنت الفرقة أسماء أصبحت من رموز الفن الإماراتي، يتقدمهم الفنان أحمد الجسمي الذي ارتبط اسمه بتاريخ الفرقة ونجاحاتها، إلى جانب مريم سلطان، ومريم سيف، وسميرة أحمد، ومحمد الحمر، فيما لعب المخرج محمد العامري دوراً محورياً في تطوير لغة العرض المسرحي بصرياً وفكرياً، خاصة عبر تعاونه الفني الطويل مع الكاتب إسماعيل عبدالله، وهي الثنائية التي صنعت عدداً من أبرز الأعمال المسرحية الإماراتية الحديثة.

وخلال السنوات الأخيرة، رسخ مسرح الشارقة الوطني حضوره في المهرجانات المحلية والعربية عبر أعمال حصدت الجوائز والتقدير النقدي، من بينها «رحل النهار» التي فازت بسبع جوائز في «أيام الشارقة المسرحية»، بينها جائزة أفضل عرض متكامل، قبل أن تتوج بجائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي في مهرجان المسرح العربي بالمغرب عام 2023. كما حققت مسرحية «17 ساعة» حضوراً لافتاً في مهرجان الإسكندرية المسرحي الدولي بمصر بعد فوزها بجائزتي أفضل سينوغرافيا وأفضل ممثلة دور أول.

وضمت قائمة الأعمال البارزة أيضاً «كيف نسامحنا»، و«مجاريح»، و«بابا»، و«الزغنبوت»، إضافة إلى أعمال ملحمية مثل «الزير سالم» و«الناموس»، وهي عروض أكدت قدرة المسرح الإماراتي على إنتاج أعمال تنافس عربياً من حيث الفكرة والبناء البصري والمعالجة الإخراجية.

لكن ذروة التوهج الفني للفرقة تجلت في تقديم النصوص المسرحية التي كتبها حاكم الشارقة، وهي نصوص اشتبكت مع التاريخ العربي وأسئلة الحاضر والمستقبل، وقدمت برؤية فكرية عميقة وإنتاجات ضخمة. ومن أبرز تلك الأعمال «النمرود» التي جابت مسارح عربية وعالمية، وعرضت في رومانيا وروسيا وإسبانيا، محققة صدى نقدياً واسعاً، إلى جانب «البراق وليلى»، و«داعش والغبراء»، و«عودة هولاكو»، و«القضية»، و«شمشون الجبار»، و«كتاب الله: الصراع بين الظلام والنور».

وعبر هذه المسيرة الطويلة، لم يكن مسرح الشارقة الوطني مجرد فرقة مسرحية، بل مؤسسة ثقافية صنعت ذاكرة فنية للإمارات، ورسخت حضور المسرح العربي بوصفه فناً قادراً على مساءلة الواقع واستشراف المستقبل، لتبقى الخشبة في الشارقة مساحة للمعرفة والجمال والحرية.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.