بدور القاسمي وصناعة التأثير.. كيف تعيد المرأة رسم خريطة النشر العالمية؟

لم تكن مشاركة مبادرة “ببلش هير” في معرض وارسو الدولي للكتاب 2026 مجرد حضور مهني ضمن برنامج ثقافي دولي، بل عكست تحولاً أوسع تشهده صناعة النشر العالمية، يتمثل في تصاعد النقاش حول دور المرأة في مواقع القرار الثقافي، وتأثير ذلك في حركة النشر والترجمة وتداول المعرفة بين اللغات والأسواق المختلفة.
فخلال العقدين الأخيرين تغيرت بنية قطاع النشر بصورة ملحوظة. لم تعد المنافسة تقتصر على إنتاج الكتب وتسويقها، بل أصبحت مرتبطة بمن يمتلك القدرة على توجيه حركة المحتوى الثقافي عالمياً، واختيار الأعمال التي تحصل على فرص الترجمة والتوزيع والوصول إلى جمهور أوسع.
وفي هذا السياق، اكتسبت المبادرات التي تركز على تمكين النساء العاملات في صناعة الكتاب أهمية متزايدة، ليس فقط من زاوية العدالة المهنية، وإنما باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل مراكز التأثير داخل القطاع الثقافي العالمي.
النشر بوصفه صناعة تأثير
تاريخياً، كانت صناعة النشر واحدة من أكثر الصناعات الثقافية ارتباطاً بالنفوذ المعرفي. فالكتب التي تُترجم وتنتقل بين اللغات لا تنقل المعرفة فقط، بل تساهم في تشكيل الصور الذهنية بين المجتمعات وصناعة النفوذ الثقافي للدول.
ولهذا لم تعد حقوق النشر والترجمة شأناً تقنياً يخص الناشرين وحدهم، بل أصبحت جزءاً من أدوات القوة الناعمة. وكلما زادت قدرة دولة أو مؤسسة ثقافية على إيصال إنتاجها الفكري إلى لغات وأسواق جديدة، ارتفع تأثيرها في المشهد الثقافي العالمي.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالترجمة وحقوق النشر في الفعاليات المهنية المصاحبة للمعارض الدولية للكتاب، ومنها معرض وارسو الدولي للكتاب، الذي شهد نقاشات ركزت على انتقال الكتب بين الأسواق والعوامل التي تحدد فرص وصولها إلى قراء جدد.
من التمثيل إلى التأثير
غالباً ما يُختزل الحديث عن المرأة في صناعة النشر في مسألة التمثيل العددي، لكن التحول الأهم يتعلق بطبيعة الأدوار التي تشغلها النساء داخل القطاع.
فالسؤال لم يعد: كم امرأة تعمل في النشر؟ بل: ما حجم تأثير النساء في القرارات المتعلقة باختيار الكتب والترجمة وشراء الحقوق وبناء الشراكات الدولية؟
وتشير التحولات الجارية في عدد من أسواق النشر العالمية إلى تزايد حضور النساء في مواقع قيادية داخل دور النشر والمؤسسات الثقافية ووكالات الحقوق الأدبية. ومع ذلك، ما تزال الفجوة قائمة بين الحضور المهني والتأثير الفعلي في رسم السياسات الثقافية الكبرى.
وفي هذا الإطار تبرز مبادرة “ببلش هير”، التي أطلقتها الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، بوصفها محاولة لبناء شبكات مهنية دولية تساعد النساء العاملات في قطاع النشر على توسيع حضورهن في دوائر اتخاذ القرار، وربطهن بأسواق وخبرات تتجاوز الحدود المحلية.
لماذا وارسو؟
يحمل اختيار بولندا بعداً لافتاً في هذا السياق. فالسوق البولندية تعد من أكثر أسواق الكتاب نشاطاً في أوروبا الوسطى والشرقية، كما تمتلك تقاليد راسخة في القراءة والترجمة والنشر.
ويعكس الحضور الإماراتي في هذا الفضاء الثقافي توجهاً نحو تنويع الشراكات الدولية وعدم الاكتفاء بالأسواق التقليدية في أوروبا الغربية. كما يشير إلى اهتمام متزايد بفتح قنوات جديدة أمام حركة الترجمة والتبادل الثقافي بين العالم العربي ومناطق كانت أقل حضوراً في خريطة التعاون الثقافي العربي.
أبعد من التمكين
وربما تكمن أهمية هذه المبادرات في أنها تتجاوز مفهوم التمكين بمعناه التقليدي. فالقضية لم تعد مرتبطة بزيادة أعداد النساء في مواقع العمل، بل بقدرة قطاع النشر على الاستفادة من تنوع الخبرات والرؤى والخلفيات الثقافية في صناعة القرار.
فكلما تعددت الأصوات المشاركة في اختيار ما يُنشر وما يُترجم، ازدادت فرص ظهور سرديات جديدة وأفكار مختلفة، وهو ما تحتاجه صناعة الكتاب في عصر يتسم بتسارع التحولات الثقافية والتكنولوجية.
ومن هذا المنطلق، تبدو رؤية بناء الشراكات بين الثقافات، التي تشكل أحد المرتكزات الأساسية في العديد من المبادرات الثقافية الإماراتية، أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالترجمة لم تعد مجرد عملية نقل للنصوص من لغة إلى أخرى، بل أصبحت أداة لبناء جسور معرفية وإنسانية بين المجتمعات، ووسيلة لتعزيز الحوار الثقافي في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم المتبادل.
تحديات المرحلة المقبلة
ورغم أهمية هذه التحولات، فإن التحدي الأكبر لا يزال مرتبطاً بقدرة قطاع النشر على التكيف مع المتغيرات المتسارعة التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة.
فالذكاء الاصطناعي، ومنصات القراءة الرقمية، وتغير عادات القراءة لدى الأجيال الجديدة، جميعها عوامل تعيد رسم قواعد اللعبة في صناعة الكتاب. وفي ظل هذه التحولات، لن يكون كافياً توسيع المشاركة داخل القطاع، بل سيصبح من الضروري تطوير نماذج جديدة للتعاون والترجمة وتداول الحقوق والوصول إلى القراء.
إعادة رسم الخريطة الثقافية
تكشف تجربة “ببلش هير” أن النقاش الدائر اليوم لم يعد يتعلق فقط بزيادة حضور المرأة في قطاع النشر، بل بإعادة تعريف مفهوم التأثير الثقافي في عالم سريع التغير.
فالمسألة لا تتعلق بمن يكتب الكتب فقط، بل بمن يحدد مساراتها، ومن يقرر أي القصص تعبر الحدود، وأي الأصوات تصل إلى القارئ العالمي.
وفي هذا السياق، تبدو صناعة النشر أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا والتنوع المهني. وكلما اتسعت دائرة المشاركين في صناعة القرار الثقافي، ازدادت قدرة الكتاب على تمثيل العالم بأصواته المتعددة وتجاربه المختلفة.
ومن هنا يمكن النظر إلى مبادرات مثل “ببلش هير” بوصفها جزءاً من حراك عالمي يسعى إلى توسيع المشاركة في صناعة المعرفة، وإعادة رسم خرائط النشر بما يجعلها أكثر انفتاحاً على التعدد الثقافي وأكثر قدرة على بناء الجسور بين المجتمعات، لا على تكريس المسافات بينها.
الشارقة – محمد فال معاوية
