النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار5 يونيو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026.. هل تصبح القراءة مشروعاً مجتمعياً؟

الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026.. هل تصبح القراءة مشروعاً مجتمعياً؟

في تاريخ المدن لحظات تكتسب فيها الثقافة صفة الحدث، ولحظات أخرى تتحول فيها إلى هوية. ويبدو أن اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026 ينتمي إلى النوع الثاني؛ فهو لا يحتفي بفعالية ثقافية أو موسم للقراءة، بقدر ما يسلط الضوء على تجربة تراكمت عبر سنوات من العمل في مجالات النشر والكتاب والمعرفة. ومن هنا تتجاوز أهمية الحدث حدود العاصمة المغربية لتلامس سؤالاً عربياً أوسع: كيف يمكن للمدن أن تجعل من القراءة جزءاً من نسيجها الاجتماعي والثقافي؟

ويأتي اختيار الرباط من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تتويجاً لمسار ثقافي متواصل، عزز حضور المدينة بوصفها مركزاً للمعرفة والإبداع والحوار الثقافي. كما يعكس الاعتراف الدولي أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المدن في بناء مجتمعات أكثر ارتباطاً بالكتاب والقراءة، وأكثر قدرة على توظيف الثقافة في خدمة التنمية والوعي المجتمعي.

لماذا اختارت اليونسكو الرباط؟

لم يكن اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026 قراراً مرتبطاً بحدث ثقافي عابر، بل استند إلى رؤية متكاملة قدمتها المدينة لتعزيز القراءة وتوسيع الوصول إلى المعرفة. فقد أشادت اليونسكو بالبرامج التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، ولا سيما الأطفال والشباب، وبالمبادرات الرامية إلى جعل الكتاب متاحاً في الفضاءات التعليمية والثقافية والعامة.

كما أخذت المنظمة بعين الاعتبار ما تتمتع به الرباط من بنية ثقافية ومعرفية متقدمة، تضم جامعات ومكتبات ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية فاعلة، إلى جانب احتضانها لفعاليات فكرية وأدبية تسهم في تنشيط الحركة الثقافية على المستويين الوطني والدولي.

ويعكس هذا الاختيار قناعة متزايدة لدى المؤسسات الثقافية العالمية بأن الكتاب لا يزال أداة أساسية في بناء الإنسان وتعزيز قيم الحوار والانفتاح والتفاهم بين الشعوب.

ما الذي يميز التجربة المغربية في دعم الكتاب؟

تتميز التجربة المغربية بكونها نتاج تراكم طويل من السياسات والمبادرات الثقافية التي تعاملت مع الكتاب بوصفه مكوناً رئيسياً من مكونات التنمية الثقافية. وخلال العقود الماضية، شهد المغرب توسعاً في البنية التحتية الثقافية، شمل المكتبات العامة والمراكز الثقافية والمعارض والبرامج الموجهة لتشجيع القراءة.

كما أسهمت معارض الكتاب والملتقيات الفكرية والجوائز الأدبية في تعزيز حضور الكتاب داخل المشهد الثقافي المغربي، وفتح آفاق جديدة أمام الكتّاب والناشرين والمترجمين. ويضاف إلى ذلك الحراك الأكاديمي والبحثي الذي جعل من الثقافة والمعرفة جزءاً من النقاش العام في المجتمع المغربي.

وتبرز الرباط نموذجاً لهذه التجربة، إذ تجمع بين الإرث التاريخي والحيوية الثقافية المعاصرة، وتستفيد من شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والثقافية التي تسهم في ترسيخ حضور الكتاب في الحياة العامة.

القراءة بوصفها مشروعاً مجتمعياً

لا يكمن التحدي الحقيقي في تنظيم الفعاليات الثقافية أو إقامة معارض الكتب، بل في بناء علاقة مستدامة بين المجتمع والقراءة. فالمدن التي تنجح في ترسيخ ثقافة الكتاب هي تلك التي تجعل القراءة جزءاً من الحياة اليومية، داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والفضاءات العامة.

ومن هنا تكتسب تجربة الرباط أهمية خاصة، لأنها تسعى إلى تجاوز الطابع الاحتفالي للمناسبات الثقافية نحو بناء بيئة معرفية مستدامة، يكون الكتاب فيها متاحاً وقريباً من مختلف فئات المجتمع.

وقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن الاستثمار في القراءة ينعكس إيجاباً على التعليم والابتكار والتنمية البشرية، وهو ما يجعل الثقافة شريكاً أساسياً في بناء المجتمعات الحديثة.

ماذا يمكن أن تستفيد المدن العربية؟

تواجه المدن العربية تحديات متشابهة في مجال القراءة وصناعة الكتاب، من بينها محدودية الوصول إلى المكتبات العامة، وارتفاع تكاليف النشر، وضعف المبادرات المستدامة الموجهة إلى القراء الجدد.

وتقدم تجربة الرباط مجموعة من الدروس المهمة، أبرزها أن نجاح أي مشروع ثقافي يتطلب رؤية بعيدة المدى، وتعاوناً بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والمجتمعية. كما تؤكد أهمية الانتقال من تنظيم الفعاليات الموسمية إلى بناء برامج مستمرة تستهدف تنمية عادة القراءة لدى الأجيال الجديدة.

وتشير التجربة كذلك إلى أن الثقافة ليست ترفاً يمكن تأجيله، بل استثماراً مباشراً في الإنسان وفي قدرته على الإبداع والتفكير النقدي والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

ما بعد اللقب

تمثل الرباط اليوم نموذجاً عربياً لمدينة اختارت أن تجعل من الكتاب جزءاً من هويتها الثقافية، وأن توظف المعرفة بوصفها ركيزة للتنمية والحوار والانفتاح. غير أن القيمة الحقيقية لهذا اللقب لن تُقاس بعدد الفعاليات التي ستنظم خلال عام 2026، بل بالأثر الذي سيبقى بعد انتهاء الاحتفالات.

ويبقى السؤال مطروحاً أمام المدن العربية: هل يمكن تحويل القراءة إلى مشروع مجتمعي مستدام؟ لعل تجربة الرباط تقدم إحدى الإجابات الممكنة، وتؤكد أن الاستثمار في الكتاب ليس استثماراً في الثقافة فحسب، بل في مستقبل المجتمعات وقدرتها على بناء أجيال أكثر وعياً وإبداعاً وانفتاحاً على العالم.

الرباط – يوسف الإدريسي

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.