النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار20 يوليو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

الشارقة تعيد كتابة ذاكرة الأمة.. المعجم التاريخي للغة العربية إنجاز غير مسبوق

الشارقة تعيد كتابة ذاكرة الأمة.. المعجم التاريخي للغة العربية إنجاز غير مسبوق

الشارقة – محمد فال معاوية

في مشروع معرفي يختزل قروناً من تاريخ اللغة العربية، يبرز المعجم التاريخي للغة العربية بوصفه واحداً من أهم الإنجازات الثقافية في العصر الحديث، إذ لا يكتفي بجمع الألفاظ وتعريف معانيها، بل يتتبع مساراتها التاريخية وتحولاتها الدلالية، كاشفاً عن العلاقة العميقة بين اللغة ومسيرة الفكر والحضارة.

ويجسد المعجم ثمرة رؤية ثقافية جعلت من الشارقة مركزاً رائداً لخدمة اللغة العربية وتعزيز حضورها في ميادين المعرفة، حيث يقدم سجلاً علمياً واسعاً لذاكرة اللغة، ويضع بين أيدي الباحثين والطلاب والمترجمين والمهتمين مرجعاً يوثق رحلة الكلمات منذ نشأتها الأولى حتى استعمالاتها المعاصرة.

وبأجزائه الـ127، وما يضمه من آلاف الجذور والشواهد المستقاة من مصادر التراث العربي، يمثل المعجم التاريخي للغة العربية مشروعاً حضارياً يعيد قراءة تاريخ الأمة من خلال لغتها، ويؤكد قدرة العربية على مواكبة البحث العلمي ومتطلبات العصر.

رؤية ثقافية صنعت الإنجاز

يقف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، رئيس مجمع اللغة العربية بالشارقة، وراء هذا المشروع التاريخي، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء للهوية وذاكرة للحضارة وجسر يصل الماضي بالمستقبل.

وقد وصف سموه المعجم التاريخي بأنه ضرورة لغوية وحضارية وتاريخية، مؤكداً أن إنجازه يمثل إضافة نوعية لمسيرة العربية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الكتابة والتأليف والإبداع والبحث العلمي.

ويأتي المشروع استجابة لحاجة طال انتظارها، إذ يمنح العربية مرجعاً تاريخياً يوازي مكانتها بين لغات العالم، ويوثق تطورها عبر العصور وفق منهج علمي حديث.

سبع سنوات من العمل العلمي

يمثل المعجم التاريخي للغة العربية مشروعاً غير مسبوق من حيث الحجم العلمي وعدد المشاركين فيه، فقد استغرق إنجازه نحو سبع سنوات من العمل المتواصل، بمشاركة نحو 780 محرراً ومدققاً ومشرفاً، إلى جانب فرق متخصصة في المراجعة والإخراج والطباعة والنشر.

وشاركت في المشروع 20 مؤسسة عربية تضم مجامع لغوية وجامعات ومراكز بحثية، ليخرج في صورة موسوعة ضخمة تتكون من 127 مجلداً، توثق أكثر من 12 ألف جذر لغوي، وتعتمد على 348 ألفاً و406 شواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والنثر العربي.

وخلف هذه الأرقام يقف جهد علمي واسع شمل قراءة آلاف المصادر والمراجع، وتتبع الشواهد التاريخية، وربطها بالمداخل المعجمية وفق منهج دقيق يراعي تطور اللغة وسياقات استخدامها عبر الزمن.

ليس معجماً للكلمات فقط

تكمن فرادة المعجم التاريخي في أنه لا يقدم المعنى المجرد للكلمة، كما تفعل المعاجم التقليدية، بل يرصد السيرة التاريخية للفظة العربية؛ متى ظهرت، وكيف تطورت، وما التحولات التي طرأت على دلالاتها، والبيئات الثقافية التي احتضنتها.

فالكلمة في هذا المشروع ليست وحدة لغوية منفصلة، بل شاهد على حركة المجتمع والفكر والمعرفة. ومن خلال تتبع ألفاظ مثل «الحرية» و«العقل» و«المدينة» و«الأمة»، تظهر العلاقة الوثيقة بين تطور اللغة والتحولات الحضارية التي عاشتها المجتمعات العربية عبر القرون.

وهكذا يتحول المعجم من مرجع لغوي إلى سجل ثقافي يرصد تطور المفاهيم والأفكار، ويكشف كيف حملت الكلمات ذاكرة الإنسان العربي وتجربته التاريخية.

مشروع عربي بروح جماعية

اعتمد المشروع على مفهوم العمل الجماعي، بمشاركة باحثين ومدققين من مختلف الدول العربية، استندوا إلى مصادر متنوعة تشمل النصوص القرآنية والحديثية، وكتب الأدب والتاريخ والفقه والعلوم، وصولاً إلى الإنتاج الفكري الحديث.

ويعيد هذا التعاون العلمي إحياء تقاليد المشاريع الموسوعية الكبرى التي عرفتها الحضارة العربية، مع الاستفادة من التقنيات الرقمية الحديثة ومنهجيات البحث اللغوي المعاصر.

آفاق جديدة للتعليم والبحث

يفتح المعجم التاريخي آفاقاً واسعة أمام تطوير تعليم اللغة العربية، إذ يتيح للطلاب والمعلمين فهم رحلة الكلمة وتطور معناها، بدلاً من التعامل معها بوصفها تعريفاً ثابتاً منفصلاً عن سياقها التاريخي.

كما يمثل أداة مهمة للمترجمين والباحثين، إذ يساعدهم على إدراك الخلفيات الثقافية للمصطلحات العربية، وفهم تطور المفاهيم التي تحملها، واختيار المقابلات الأكثر دقة عند نقلها إلى اللغات الأخرى.

ويخدم كذلك الباحثين في تاريخ العلوم، من خلال تتبع نشأة المصطلحات العلمية في مجالات الطب والفلك والفلسفة وغيرها، ورصد حركة انتقال المعرفة بين الحضارات.

حضور رقمي يواكب المستقبل

لم يقتصر المشروع على المجلدات المطبوعة، بل امتد إلى الفضاء الرقمي من خلال إتاحة محتواه عبر منصات إلكترونية تساعد الباحثين والطلاب والمهتمين بالعربية على الوصول إلى مواده بسهولة.

ويعزز هذا الجانب الرقمي استدامة المعجم، ويجعله مشروعاً معرفياً قابلاً للتطوير والتحديث، ومواكباً للتحولات التي يشهدها عالم المعرفة.

العربية بين الأصالة والتجدد

يأتي المعجم التاريخي للغة العربية في مرحلة تواجه فيها اللغة تحديات متعددة، من تغير أنماط التواصل، واتساع حضور اللغات الأجنبية في بعض المجالات، وتباعد الصلة بين الفصحى وبعض الاستخدامات اليومية.

وفي مواجهة هذه التحديات، يقدم المشروع رؤية تؤكد أن الحفاظ على العربية لا يعني تجميدها، بل فهم قوانين تطورها، وتوثيق حركتها، وتعزيز قدرتها على التعبير عن قضايا العصر.

إنجاز يرسخ مكانة الشارقة

يمثل المعجم التاريخي للغة العربية واحداً من أبرز الإنجازات الثقافية العربية في القرن الحادي والعشرين، وقد حصل على شهادة موسوعة غينيس للأرقام القياسية تقديراً لحجمه وريادته العلمية.

ويؤكد هذا المشروع مكانة الشارقة بوصفها مركزاً عربياً للكتاب واللغة والمعرفة، ضمن مسيرة ثقافية طويلة دعمت النشر والترجمة، وأسست المؤسسات المتخصصة، وأطلقت المبادرات التي تخدم العربية وتعزز حضورها في المشهد الثقافي العالمي.

أبرز أرقام المشروع

  • 127 مجلداً موسوعياً.
  • 12,141 جذراً لغوياً.
  • 348,406 شواهد من القرآن والحديث والشعر والنثر.
  • 780 محرراً ومدققاً ومشرفاً.
  • 20 مؤسسة عربية مشاركة.
  • حاصل على شهادة موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

المعجم التاريخي للغة العربية ليس مجرد مرجع لغوي، بل مشروع حضاري يعيد قراءة تاريخ الأمة من خلال كلماتها، ويحفظ ذاكرة العربية، ويفتح أمامها آفاقاً جديدة في ميادين البحث والمعرفة والإبداع.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.