العربية تعود إلى آسيا الوسطى.. كيف تسهم الشارقة في بناء جسور المعرفة؟

عندما شارك 42 أكاديمياً ومعلم لغة عربية في دورة تدريبية نظمتها الجامعة القاسمية داخل كازاخستان، لم يكن الأمر مجرد نشاط تعليمي عابر. فالحدث يعكس تحولاً أوسع تشهده آسيا الوسطى، حيث تتزايد مؤشرات الاهتمام باللغة العربية في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وتتوسع برامج تعليمها في كازاخستان وأوزبكستان على نحو لافت.
وبينما تبحث دول المنطقة عن آفاق جديدة للتعاون الثقافي والتعليمي، تبدو العربية وكأنها تستعيد موقعاً تاريخياً ظل حاضراً في الذاكرة الحضارية لقرون طويلة. وفي قلب هذا المشهد، تبرز الشارقة بوصفها أحد الفاعلين الثقافيين والأكاديميين الذين يسهمون في إعادة بناء الجسور المعرفية بين العالم العربي وآسيا الوسطى، من خلال مؤسساتها التعليمية ومبادراتها الثقافية المتعددة.
ولا يقتصر الأمر على تعليم اللغة العربية بوصفها أداة للتواصل، بل يمتد إلى استعادة فضاء ثقافي وحضاري مشترك كان يوماً جزءاً من المشهد الفكري الذي ربط مدن آسيا الوسطى بالعالم العربي عبر طرق التجارة والعلم والمعرفة.
إرث تاريخي يتجدد
يصعب فهم الحضور المتنامي للعربية في آسيا الوسطى من دون العودة إلى التاريخ. فقد كانت مدن مثل بخارى وسمرقند وطشقند من أبرز مراكز العلم في الحضارة الإسلامية، ومنها خرج علماء ومفكرون أسهموا في إثراء التراث الإنساني في مجالات الحديث والفقه والفلسفة والطب والرياضيات والفلك.
ولم تكن العربية آنذاك لغة دينية فحسب، بل كانت لغة العلم والتأليف والتواصل المعرفي. وقد كُتبت بها مؤلفات شكلت جزءاً من الذاكرة الفكرية للعالم الإسلامي، الأمر الذي جعلها حاضرة في وجدان المنطقة بوصفها لغة ارتبطت بعصر ازدهارها العلمي والحضاري.
ومع استقلال جمهوريات آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأت عملية واسعة لإعادة قراءة التاريخ واستعادة مكونات الهوية الثقافية، وهو ما فتح الباب أمام اهتمام متجدد باللغة العربية والدراسات الإسلامية والروابط الحضارية التي تجمع المنطقة بالعالم العربي.
الجامعات تقود المشهد
خلال السنوات الأخيرة، شهدت جامعات كازاخستان وأوزبكستان توسعاً ملحوظاً في برامج اللغة العربية والدراسات الشرقية والترجمة، بالتوازي مع تزايد التعاون الأكاديمي مع مؤسسات التعليم العالي في العالم العربي.
وفي هذا السياق، تبرز الجامعة القاسمية في الشارقة بوصفها نموذجاً لمؤسسة أكاديمية تسعى إلى توسيع دائرة تعليم العربية خارج حدودها الجغرافية. وقد تجسد ذلك أخيراً من خلال تنظيم دورة تدريبية متخصصة في جمهورية كازاخستان لتأهيل أكاديميين ومعلمين في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها، بمشاركة 42 متدرباً من الجامعات والمعاهد الكازاخية.
واستضافت جامعة الفارابي الوطنية البرنامج التدريبي الذي امتد خمسة عشر يوماً بواقع اثنتين وسبعين ساعة تدريبية، وركز على أحدث المناهج والاتجاهات المعاصرة في تعليم اللغة العربية، إضافة إلى مهارات تحليل النصوص وتطوير المحتوى التعليمي وطرائق التدريس الحديثة.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة لأنها تعكس تحولاً في طبيعة التعاون الأكاديمي بين المؤسسات العربية ونظيراتها في آسيا الوسطى. فبدلاً من اقتصار العلاقة على استقبال الطلبة أو تقديم المنح الدراسية، باتت الخبرات التعليمية نفسها تنتقل إلى الجامعات الأجنبية، بما يسهم في إعداد كوادر محلية قادرة على تطوير برامج تعليم العربية وتعزيز حضورها داخل البيئة الأكاديمية.
وتنسجم هذه الجهود مع رؤية الشارقة التي جعلت من الثقافة والتعليم محورين أساسيين في انفتاحها على العالم، وسعت من خلال مؤسساتها المختلفة إلى ترسيخ مكانة اللغة العربية بوصفها لغة معرفة وحوار وتواصل إنساني.
ما وراء الدوافع الثقافية
لا يرتبط الإقبال على تعلم العربية في آسيا الوسطى بالبعد الثقافي وحده، بل يتصل أيضاً بتحولات اقتصادية وجيوسياسية تشهدها المنطقة. فقد تعززت خلال السنوات الأخيرة العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج ودول آسيا الوسطى، وازدادت مجالات التعاون في قطاعات الاستثمار والطاقة والسياحة والنقل الجوي والتجارة.
وأدى ذلك إلى تنامي الحاجة إلى كوادر تتقن اللغة العربية وتمتلك فهماً أعمق للثقافة العربية، الأمر الذي جعل العربية خياراً عملياً بالنسبة إلى أعداد متزايدة من الطلبة والمهنيين الباحثين عن فرص جديدة في سوق العمل.
ومن هنا لم تعد العربية محصورة في أقسام الدراسات الإسلامية أو اللغات الشرقية، بل بدأت تجد مكانها في برامج الترجمة والعلاقات الدولية والإعلام وإدارة الأعمال، بما يعكس اتساع نطاق الاهتمام بها داخل المؤسسات التعليمية.
الشارقة وقوة الثقافة
في خضم هذه التحولات، تبرز الشارقة بوصفها نموذجاً عربياً وظف الثقافة والتعليم لبناء جسور تتجاوز الحدود الجغرافية. فمنذ عقود تعمل الإمارة على تأسيس مشروع ثقافي متكامل يقوم على دعم الكتاب والمعرفة والترجمة والتعليم، وهو ما منحها حضوراً مؤثراً في المشهد الثقافي العربي والدولي.
ولا يقتصر هذا الدور على تنظيم الفعاليات الثقافية أو المعارض الدولية، بل يمتد إلى بناء شراكات معرفية طويلة الأمد مع مؤسسات أكاديمية وثقافية حول العالم. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الأنشطة التي تنفذها الجامعة القاسمية في آسيا الوسطى، باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تستثمر في التعليم بوصفه أداة للتقارب بين الشعوب.
فاللغة هنا ليست مجرد مادة دراسية، بل جسر للتواصل الحضاري، ووسيلة لإحياء مساحات مشتركة من المعرفة والتفاعل الثقافي بين العالم العربي وآسيا الوسطى.
عودة إلى فضاء حضاري مشترك
تشير المؤشرات الحالية إلى أن الاهتمام بالعربية في آسيا الوسطى مرشح لمزيد من النمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بتوسع الشراكات الأكاديمية، وتنامي العلاقات الاقتصادية، وعودة الاهتمام بالروابط التاريخية والثقافية التي تجمع المنطقة بالعالم العربي.
غير أن ما تشهده كازاخستان وأوزبكستان اليوم يتجاوز مسألة تعلم لغة جديدة. فالعربية تعود إلى منطقة أسهمت عبر قرون طويلة في إنتاج جزء مهم من تراثها العلمي والثقافي، لكنها تعود هذه المرة عبر الجامعات والمؤسسات التعليمية وبرامج التبادل المعرفي.
وفي هذا السياق، يبدو الدور الذي تؤديه الشارقة جزءاً من مسار أوسع يراهن على الثقافة والتعليم لبناء علاقات مستدامة بين الشعوب. فبينما تعيد آسيا الوسطى اكتشاف العربية بوصفها لغة معرفة وفرص وتواصل، تسهم المبادرات التعليمية والثقافية القادمة من الشارقة في منح هذا الحضور زخماً جديداً، يعيد وصل الماضي بالمستقبل، ويؤسس لشراكات تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أرحب من الحوار والمعرفة.
الشارقة – محمد أمين العطار
