النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار26 يونيو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

«حضرة المحترم».. رحلة ترجمة صنعت حكاية أخرى

«حضرة المحترم».. رحلة ترجمة صنعت حكاية أخرى

لم تكن ترجمة رواية «حضرة المحترم» للأديب العالمي نجيب محفوظ إلى اللغة الإنجليزية مجرد مشروع أكاديمي، بل تحولت إلى رحلة ثقافية وإنسانية امتدت سنوات، جمعت بين الباحث والمترجم الدكتور رشيد العناني وصاحب نوبل في الأدب. وخلال هذه الرحلة، تكشف المراسلات المتبادلة بين الطرفين جانباً نادراً من شخصية محفوظ، كما توثق كيف شقت إحدى أبرز رواياته طريقها إلى القارئ الإنجليزي وسط تحديات النشر وتقلبات دور الطباعة، قبل أن تصبح جزءاً من حضوره العالمي.

تعود بداية الحكاية إلى عام 1978، حين التحق الدكتور رشيد العناني بجامعة إكستر البريطانية، وقرر أن يخصص أطروحته للدكتوراه لدراسة أدب نجيب محفوظ. وبعد قراءة متأنية لأعماله الروائية، وقع اختياره على رواية «حضرة المحترم» الصادرة عام 1975، وهي رواية رأى فيها عملاً استثنائياً لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام نقدي مقارنة بأعمال محفوظ الأخرى.

ولم يكن سبب الاختيار موضوع الرواية وحده، بل لغتها الفنية وأبعادها الرمزية. فالرواية تبدو، في ظاهرها، حكاية موظف بسيط يبدأ حياته في أرشيف إحدى المؤسسات الحكومية، لكنه يحمل حلماً يبدو مستحيلاً؛ أن يصل يوماً إلى منصب المدير العام. غير أن محفوظ يتجاوز هذه الحكاية الواقعية ليصوغها بلغة ذات أبعاد صوفية ورمزية، تجعل رحلة البطل عثمان بيومي تعبيراً عن سعي الإنسان الدائم إلى الكمال والمعنى، لا مجرد صعود وظيفي.

هذا العمق اللغوي والفني دفع العناني إلى أن يجعل الرواية محوراً لدراسته وترجمتها إلى الإنجليزية، مستنداً إلى مناهج الأسلوبية والدراسات اللغوية، لإبراز ما تنطوي عليه من مستويات متعددة للمعنى.

ولأن حقوق الترجمة لم تكن آنذاك تُدار عبر جهة واحدة، كتب العناني إلى نجيب محفوظ في مارس (آذار) 1980 يستأذنه في ترجمة الرواية، ويتأكد من عدم منح حقوقها إلى ناشر آخر. أرسل الرسالة إلى عنوان صحيفة «الأهرام»، من دون أن يعرف إن كانت ستصل إلى صاحبها.

لكن المفاجأة جاءت سريعاً؛ إذ تلقى رداً بخط يد نجيب محفوظ، مؤرخاً في العاشر من أبريل (نيسان) 1980، يرحب فيه بالفكرة ويمنحه موافقته الكاملة. ولم يكتف محفوظ بالموافقة، بل كشف في رسالته الظروف الفكرية التي كُتبت فيها الرواية، موضحاً أنها جاءت ثمرة تأمل عميق في الإنسان، بخيره وشره، وطموحه وضعفه، وتطلعه الدائم إلى ما هو أسمى، مؤكداً أن شخصية عثمان بيومي ليست مجرد سيرة موظف، كما ظن بعض القراء، بل تجسيد لرحلة الإنسان في بحثه عن المطلق.

بالتوازي مع ذلك، بدأ العناني اتصالاته مع دار «هينمان» البريطانية، التي كانت آنذاك من أبرز الناشرين للأدب الإفريقي والعربي المترجم إلى الإنجليزية. وأبدت الدار اهتماماً بنشر الترجمة، إلا أن المشروع تعثر بسبب أزمات إدارية داخلية، انتهت باعتذار الدار عن النشر بعد أشهر طويلة من الانتظار.

وحين أخبر العناني نجيب محفوظ بما حدث، جاءه رد يحمل كثيراً من التعاطف وروح الدعابة، إذ كتب: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

لم يتوقف المشروع عند هذا الحد، بل انتقل إلى دار نشر أمريكية متخصصة في ترجمة آداب العالم، رحبت بالفكرة وأرسلت العقد إلى نجيب محفوظ، الذي وقّعه سريعاً، معبراً عن امتنانه للجهد الذي بُذل في نقل الرواية إلى لغة أخرى.

غير أن فرصة أفضل ظهرت لاحقاً، عندما تلقت الترجمة عرضاً من دار «كوارتيت» البريطانية، التي كانت تتمتع بحضور أوسع في سوق الرواية الإنجليزية. وقد رأى العناني أن هذا الخيار سيمنح أعمال محفوظ انتشاراً أكبر بين القراء، بدلاً من بقائها محصورة في الإطار الأكاديمي.

ورغم أن العرض الجديد كان أكثر جدوى من الناحية الأدبية والمالية، فإن نجيب محفوظ رفض العدول عن العقد الأول قبل إنهائه رسمياً، مؤكداً التزامه الأخلاقي بما وقّع عليه. ولم يوافق على الانتقال إلى الناشر الجديد إلا بعد إلغاء الاتفاق السابق بصورة قانونية، في موقف يعكس نزاهته واحترامه للكلمة والاتفاق.

وفي خريف عام 1986، صدرت الترجمة الإنجليزية عن دار «كوارتيت»، وتمكن العناني من حمل نسختين منها إلى القاهرة، حيث التقى نجيب محفوظ في جلسة خاصة جمعتهما بالمخرج توفيق صالح. استقبل محفوظ الكتاب بفرحة واضحة، واكتفى بطلب نسخة واحدة، قبل أن يبلغه مترجمه بأن من حقه ست نسخ سيرسلها إليه الناشر.

وفي العام التالي أعادت الجامعة الأمريكية بالقاهرة إصدار الترجمة، ثم جاءت محطة مفصلية في عام 1988، عندما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب، لتزداد أعماله حضوراً عالمياً، وتنتقل ترجمة «حضرة المحترم» إلى دار «دَبِلداي» الأمريكية، التي أعادت نشرها عام 1990، لتصل إلى شريحة أوسع من القراء.

ويستعيد الدكتور رشيد العناني تلك السنوات بوصفها واحدة من أهم محطات حياته العلمية والإنسانية، مؤكداً أن المكاسب المادية لم تكن هي الأهم، بل إن القيمة الحقيقية تمثلت في شرف العمل مع نجيب محفوظ، والتعرف عن قرب إلى إنسانيته وتواضعه وحرصه على احترام الآخرين والوفاء بالتزاماته.

وهكذا لم تكن رحلة ترجمة «حضرة المحترم» مجرد انتقال رواية من العربية إلى الإنجليزية، بل كانت رحلة ثقافية وإنسانية تكشف كيف تستطيع الترجمة أن تبني جسوراً بين اللغات والثقافات، وأن تمنح الأعمال الأدبية حياة جديدة تتجاوز حدود المكان والزمان، لتؤكد أن الأدب العظيم يظل قادراً على مخاطبة الإنسان أينما كان.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.