الشارقة تعرض بالبرتغال تجربة رقمنة 18 مليون وثيقة معرفية

قدّمت مكتبات الشارقة العامة تجربتها الرائدة في رقمنة التراث المعرفي أمام نخبة من الخبراء والباحثين خلال مشاركتها في الندوة الدولية «رقمنة المكتبات التاريخية في عصر الذكاء الاصطناعي» التي استضافتها جامعة كويمبرا البرتغالية، مستعرضةً نموذج الإمارة في حفظ المخطوطات والمجموعات النادرة وإتاحتها رقمياً للباحثين والطلبة، ضمن رؤية ثقافية تستهدف صون الذاكرة الإنسانية وتعزيز الوصول إلى المعرفة.
وخلال الجلسة التي حملت عنوان «تجربة الشارقة في رقمنة المكتبات التاريخية»، استعرضت إيمان بوشليبي، مديرة إدارة مكتبات الشارقة العامة، ملامح المشروع الذي نجح في توظيف أحدث التقنيات لحفظ وتوثيق أكثر من 18 مليون مادة معرفية، مؤكدة أن الرقمنة لم تعد مجرد تحويل الوثائق إلى نسخ إلكترونية، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل التصوير عالي الجودة، والوصف العلمي، والبنية التقنية المستدامة، إلى جانب الدور المحوري لأمناء المكتبات والخبراء في إدارة المعرفة وصون التراث.
وأكدت بوشليبي أن تجربة الشارقة انطلقت من رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي جعلت من حفظ المعرفة وإتاحتها إحدى الركائز الأساسية للمشروع الثقافي في الإمارة، مشيرة إلى أن الأرشفة الرقمية تنفذ ضمن منظومة مؤسسية تقودها هيئة الشارقة للكتاب، وتنسجم مع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وميثاق الإمارات للذكاء الاصطناعي 2024، إلى جانب المكانة الثقافية التي رسختها الشارقة منذ اختيارها عاصمة عالمية للكتاب عام 2019.
وأوضحت أن رقمنة التراث مسؤولية حضارية مشتركة تتطلب رؤية واضحة، وتمويلاً مستداماً، وشراكات تحفظ حقوق المؤسسات المالكة للمجموعات، مع ضمان إتاحة عادلة للمحتوى العلمي أمام الباحثين والقراء، مؤكدة أن التقنيات الحديثة تسهم في تسريع الوصول إلى المعرفة، لكنها لا تغني عن دور المختصين في الفهرسة والتحقق والوصف العلمي وصون السياق التاريخي للمخطوطات.
وتناولت الجلسة أبرز التحديات التي تواجه رقمنة التراث الوثائقي، وفي مقدمتها صعوبة التعرف الضوئي على النصوص العربية القديمة، والحاجة إلى خطط تمويل طويلة الأمد، إضافة إلى القضايا الأخلاقية المرتبطة بالتحيزات المحتملة في الأنظمة الرقمية، وضمان استدامة المواد الرقمية وإمكانية الوصول إليها مستقبلاً.
واستعرضت مكتبات الشارقة عدداً من المشاريع الدولية التي تنفذها بالتعاون مع مؤسسات ثقافية عالمية، من أبرزها مشروع مكتبة أمبروزيانا في مدينة ميلانو الإيطالية، الذي يهدف إلى رقمنة أكثر من 2500 مخطوطة عربية نادرة يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من 450 عاماً، وإتاحتها عبر منظومة مكتبات الشارقة العامة، بموجب مذكرة تفاهم أبرمت عام 2021.
كما سلطت الضوء على مشروع مكتبة جوانينا في البرتغال، الذي يعد من أكبر مشاريع الرقمنة، إذ يشمل نحو 18 مليون صورة وما يقارب 30 ألف مجلد تاريخي ضمن خطة تمتد حتى عام 2031.
وعلى الصعيد المحلي، استعرضت الجلسة مشروع جامعة خورفكان، الذي بدأ برقمنة 30 مخطوطة في مرحلته الأولى، ويواصل توسعه بالتعاون مع دار المخطوطات في الشارقة، حيث تخضع المخطوطات لعمليات تنظيف وتعقيم وفهرسة وفق المعايير الدولية، مع إتاحتها عبر منصة رقمية متطورة تدعم البحث بالنص والصورة وتوظف تقنيات الواقع المعزز.
واختتمت مكتبات الشارقة مشاركتها بالتأكيد على أن نجاح مشاريع الرقمنة يعتمد على الشراكات المؤسسية التي تحافظ على الوصاية العلمية للمؤسسات المالكة للمجموعات، مع توفير الدعم والحوكمة والتمويل اللازم لضمان استدامة هذه المشاريع، بما يعزز حضور التراث العربي في الفضاء الرقمي ويحفظه للأجيال القادمة.
