عمر عبد العزيز.. مشروع معرفي مفتوح يزاوج بين الفكر والفن واللغة

في تجربة ثقافية نادرة تتجاور فيها الفلسفة والسرد والفن واللغة، يكشف المفكر والمبدع الدكتور عمر عبد العزيز ملامح مشروع معرفي مفتوح تشكّل عبر عقود من البحث والتأمل والإبداع، مؤكداً أن تعدد منابعه المعرفية لم يأتِ من مغالبة بين التخصصات، بل من انتظام نسقي تداخلت فيه اللغات والتجارب والمؤثرات الفكرية والجمالية.
جاء ذلك في حوار أجراه الكاتب والشاعر اليمني محمد محمد إبراهيم مع مجلة «نزوى»، حيث استعرض عبد العزيز رؤيته للإبداع بوصفه فضاءً رحباً تتكامل فيه الحقول المعرفية، متوقفاً عند علاقته بالفن واللغة والفلسفة، وتجربته التي تجمع بين السرد والتشكيل والنقد والفكر.
ويقدم عبد العزيز نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي يعبر بين مجالات متعددة تشمل الرواية، واللسانيات، والفلسفة، والفن التشكيلي، والنقد الجمالي، والإعلام، والاقتصاد، والعلوم المالية، مؤسساً تجربة إبداعية تتقاطع فيها صرامة الفكر العلمي مع رحابة التخييل السردي، وشاعرية النص، وجماليات الصورة البصرية.
ويشغل الدكتور عمر عبد العزيز حالياً منصب مدير الدراسات والنشر في دائرة الثقافة بحكومة الشارقة، وقد أثرى المكتبة العربية بمنجز تأليفي واسع يقترب من مائة مؤلف في مجالات فكرية وثقافية وفنية واقتصادية وأكاديمية ونقدية، ما كرّس حضوره واحداً من الأصوات الثقافية العربية التي تجاوزت الحدود التقليدية بين الحقول المعرفية.
ويرى عبد العزيز أن تجربته المتعددة لم تكن انتقالاً عشوائياً بين التخصصات، بل تشكلت عبر تفاعل طبيعي بين مصادر معرفية متنوعة، أسهمت فيها اللغات التي أتقنها، والبيئات الثقافية التي عاش بينها، والقراءات التي صاغت رؤيته للعالم.
الفن والفلسفة.. تداخل البحث عن المعنى والجمال
يرى عبد العزيز أن الفن والفلسفة لا يمثلان عالمين منفصلين، بل يلتقيان في البحث عن المعنى والجمال؛ فالفلسفة تنشغل بالأسئلة الكبرى والماهيات، بينما يلامس الفن الوجود عبر الصورة والإحساس والتجربة الجمالية.
وتتجلى هذه الرؤية في أعماله السردية، ومنها روايات «الحمودي» و«النسيان» و«مريوم» و«الشيخ فرح» و«سلطان الغيب»، التي تتداخل فيها الأسئلة الوجودية والتأملات الفلسفية مع جماليات السرد والتخييل، كما تظهر في تجربته التشكيلية التي تنفتح على اللون بوصفه لغة بصرية تحمل دلالات متعددة.
ويؤكد أن النصوص الإبداعية، على اختلاف أشكالها، تلتقي في جوهرها عند التعبير؛ فاللوحة تحمل إيقاعاً بصرياً، والقصيدة تنبض بالصورة، والسرد يفتح فضاءات واسعة للتأمل والخيال، بما يجعل الفنون المختلفة في حالة تواصل وتكامل دائم.
تعدد اللغات واكتشاف سحر العربية
وفي حديثه عن علاقته باللغة، يشير عبد العزيز إلى أن معرفته بخمس لغات؛ هي العربية، والصومالية، والرومانية، والإيطالية، والإنجليزية، منحته رؤية أعمق لخصوصية اللغة العربية وثرائها.
وأوضح أن اللغات الأخرى لم تكن بديلاً عن العربية، بل جسراً لاكتشاف جمالياتها وطاقاتها التعبيرية، مؤكداً أن اطلاعه على لغات وثقافات متعددة ساعده على إدراك فرادة العربية من حيث بنيتها الصوتية والكتابية، واتساع معجمها، وقدرتها على إنتاج المعنى.
ويأتي كتابه «العربية بين المنظور والمسطور» بوصفه مقاربة تأملية في مكانة اللغة العربية في زمن التحولات اللسانية والرقمية، حيث يتناول خصائصها الجمالية والمعرفية، ويدعو إلى التعامل معها من خلال معرفة عميقة بحضورها الحضاري وقدرتها على التجدد.
العربية في عصر الذكاء الاصطناعي
وحول مستقبل اللغة العربية في ظل الثورة التقنية، يرى عبد العزيز أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة لخدمة العربية وتعزيز حضورها، مشيراً إلى أن التقنيات الحديثة أسهمت في تسهيل الترجمة والدبلجة والوصول إلى المعرفة العالمية باللغة العربية.
وأكد أن التطور الرقمي لن يشكل تهديداً للغة، بل يمكن أن يفتح أمامها مجالات جديدة في التدقيق والتحرير والترجمة والتعبير الصوتي، مشدداً على أهمية توظيف هذه الأدوات بما يعزز حضور العربية في الفضاء العالمي.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لن يحل محل الإنسان في مجال الإبداع؛ لأن الكتابة والفن يرتبطان بالبصمة الإنسانية الخاصة، وبالطاقة الروحية والوجدانية التي تمنح العمل الإبداعي فرادته.
موسوعية تجمع المعرفة بالجمال
ويؤكد عبد العزيز أن تجربته المتعددة لم تكن عبئاً، بل ميزة رافقتها مسؤولية كبيرة، فقد وجد في الرياضيات مجالاً للبرهان، وفي التصوف العرفاني مساحة للتأمل، وفي نظرية المعرفة طريقاً لفهم المنطق العلمي، لتتداخل هذه المسارات في مشروع واحد يبحث عن الإنسان والجمال والمعنى.
هكذا تتجلى تجربة عمر عبد العزيز بوصفها مشروعاً معرفياً مفتوحاً، تتآلف فيه صرامة الفكر مع جماليات الفن وثراء اللغة، لتؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يولد من حدود التخصصات المغلقة، بل من القدرة على بناء جسور الحوار بين مختلف حقول المعرفة الإنسانية.
