خليفة الشيمي: الحرف العربي لوحة بصرية وهوية ثقافية

الشارقة – محمد فال معاوية
على مدى أكثر من خمسة عقود، ظل الفنان والخطاط المصري خليفة الشيمي يبحث في أسرار الحرف العربي بوصفه كيانًا بصريًا يتجاوز وظيفته القرائية إلى فضاء الفن والجمال. ومن خلال مزجه بين أصالة الخط العربي وروح التشكيل المعاصر، أسس تجربة حروفية خاصة جعلت من الحرف حاملًا للهوية والذاكرة والثقافة العربية.
يرى الشيمي أن الحرف العربي يمثل إرثًا بصريًا متفردًا، وأن اللوحة الحروفية قادرة على إيصال الهوية العربية بصورة أعمق، لأنها تجمع بين جماليات الخط وألوان التشكيل، مؤكدًا أن هذا الفن يمتلك قدرة على الوصول إلى الجمهور في مختلف أنحاء العالم.
وفي حوار مع «المجلة»، يتحدث الفنان المصري عن بداياته مع الخط العربي، ومسيرته التي قادته إلى الجمع بين الخط والتشكيل، وفلسفته الفنية التي أطلق عليها «صدى الكلمات»، إضافة إلى رؤيته لمكانة الحرف العربي في المشهد الفني العالمي.
رحلة بدأت من الطفولة
يقول خليفة الشيمي إن علاقته بالخط العربي بدأت منذ نعومة أظفاره، حين ظهرت موهبته خلال المرحلة الابتدائية في خمسينيات القرن الماضي، ولاقت اهتمامًا وتشجيعًا من أساتذته، ما دفعه إلى الاطلاع على كراسات كبار الخطاطين وتقليد أعمالهم، قبل أن يقرر التعمق في هذا الفن واكتشاف أسراره.
ويضيف أن من حسن حظه في تلك المرحلة أن تعرف إلى الأستاذ محمد الشحات، الذي كان خطاطًا للملك في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن التشجيع الذي تلقاه من أساتذته دفعه إلى مواصلة التعلم والتطوير.
ومن المحطات التي بقيت في ذاكرته، كتابته وهو في الحادية عشرة من عمره رسالة إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي رد عليه برسالة مرفقة بصورة تذكارية تحمل توقيعه، وهو ما شكل حافزًا إضافيًا له لمواصلة طريقه الفني.

وتطورت تجربته لاحقًا من خلال دراسة الخط بإشراف شيخ الخطاطين حسن جلبي، تلميذ الخطاط حامد الآمدي، حيث تعمق في علوم الخط العربي والزخرفة واستخدام الذهب وصناعة الورق المقهر اليدوي، قبل أن يحصل على أعلى الشهادات والإجازات في أنواع الخط العربي والعثماني والإنكليزي.
بين الخط والتشكيل
عن تجربته الفنية التي بدأت ملامحها منذ سبعينيات القرن الماضي، يوضح الشيمي أن كثرة الأعمال والدراسة والتجارب أسهمت في تكوين خبرته الفنية، إذ جمع بين إتقان الخط العربي والرسم الواقعي والكلاسيكي، وصولًا إلى مرحلة النضج الفني.
ويؤكد أن الجمع بين الخط والتشكيل جاء نتيجة طبيعية لتجربته كفنان وخطاط في آن واحد، موضحًا أنه عمل على المزج بين قوانين الخط العربي الصارمة وحرية التشكيل، لإنتاج لوحات حروفية تجمع بين الأصالة والرؤية المعاصرة.
وحول فلسفته الفنية «صدى الكلمات»، يوضح أنها تقوم على بناء علاقة بصرية بين الحرف واللون، من خلال تلوين سطح اللوحة بدرجات متناسقة، ثم كتابة النصوص بألوان متدرجة، بحيث تظهر بعض الكلمات وتختفي أخرى، لتمنح المتلقي إحساسًا يشبه صدى الصوت.
الحرف العربي وهوية الفن
يشير الشيمي إلى أن اختيار الخط في أعماله يرتبط بطبيعة النص، موضحًا أنه يعتمد غالبًا على الخط الديواني لما يتميز به من مرونة وانسيابية، بينما يظل خط الثلث الأقرب إلى قلبه، باعتباره «سيد الخطوط العربية» لما يحمله من قوة وجمال وهيبة.
ويؤكد أن لوحاته تحمل رسائل وقيمًا إنسانية مستلهمة من الشعر والحكم والمقولات، مثل القناعة والعمل والأمانة والأمن، موضحًا أن الحرف بالنسبة إليه ليس مجرد شكل جمالي، بل وسيلة للتعبير عن المعاني والأفكار.

وعن حضور الخط العربي عالميًا، يقول إن مشاركاته في المعارض والملتقيات الدولية كشفت عن شغف كبير بهذا الفن لدى الجمهور في دول عدة، من بينها اليابان وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، حيث ينظر المتخصصون وجامعو الأعمال الفنية إلى الخط العربي باعتباره فنًا أصيلًا وحجر زاوية في الفنون الإسلامية.
ويضيف أن اللوحة الحروفية أكثر قدرة على إيصال الهوية العربية، لأنها تجمع بين التشكيل بألوانه والخط بأصالته، معتبرًا أن الحرف العربي يمتلك خصوصية جمالية وهندسية تجعله قادرًا على التعبير عن الثقافة العربية بأساليب معاصرة.
ويختتم الشيمي رؤيته بالقول إن «الحرف العربي إرث بصري لا مجرد أداة للقراءة، بل هو شكل هندسي مرن تحكمه قياسات محكمة»، مؤكدًا أن دمجه في اللوحة التشكيلية يفتح آفاقًا جديدة لتقديم التراث العربي بصورة مبتكرة تجمع بين الأصالة والتجديد.
