النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار6 أغسطس 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

سالم العيادي.. فلسفة الموسيقى حين يلتقي العقل بسحر الروح

سالم العيادي.. فلسفة الموسيقى حين يلتقي العقل بسحر الروح

الشارقة – محمد فال معاوية

يرى الباحث والأكاديمي التونسي سالم العيادي أن الموسيقى لم تكن يومًا مجرد أصوات متناغمة أو ألحان عابرة، بل ظلت عبر تاريخ الفكر الإنساني سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا حول الماهية والمعنى والقيمة، حيث انشغلت بها الفلسفة ضمن مباحث الجمال والأخلاق والسياسة، وجعلتها جزءًا من أسئلتها الكبرى حول الحقيقة والخير والجمال.

ويؤكد العيادي أن الفلاسفة تعاملوا مع الموسيقى من زوايا متعددة؛ فمنهم من رأى فيها نظامًا عقليًا قائمًا على النسب الرياضية والتناغم، كما عند الفيثاغوريين وهيغل، ومنهم من نظر إليها بوصفها طاقة روحية تتجاوز حدود العقل والمنطق، كما لدى نيتشه وشوبنهاور. وبين هذين المسارين تشكّل تاريخ طويل من التأمل في سر الألحان وتأثيرها العميق في الإنسان، بحسب مجلة «نزوى».

ويذهب الباحث إلى أن دراسة فلسفة الموسيقى لا تقتصر على تتبع المدارس الفنية أو أفكار الفلاسفة، بل تنفتح على سؤال أكثر عمقًا يتعلق بـ«مادة العمل الموسيقي»، أي المادة التي يتشكل منها الأثر الموسيقي ويصل من خلالها إلى وجدان المتلقي.

ويشير إلى أن خصوصية الموسيقى تكمن في كون مادتها ليست ثابتة أو ملموسة مثل اللون في الرسم أو الحجر في النحت، وإنما هي أصوات ونغمات تتولد لحظة الأداء ثم تختفي في الزمن، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الذاكرة والخيال والنفس.

سحر الألحان ولغز التأثير

يتوقف العيادي عند قدرة الموسيقى الفريدة على النفاذ إلى أعماق الروح، معتبرًا أن سرها يكمن في قدرتها على الجمع بين النظام العقلي والفيض الوجداني. فالألحان، بحسب رؤيته، تجمع بين الدقة الرياضية التي تضبط الإيقاع والتناغم، وبين الطاقة الروحية التي تمنحها القدرة على إثارة المشاعر والانفعالات.

ويستحضر الباحث رؤية أفلاطون للموسيقى بوصفها وسيلة للارتقاء بالنفس وتكوين الفضائل، كما يستعيد تصورات فيثاغورس التي ربطت الموسيقى بتناغم الكون، مؤكدًا أن الموسيقى شكلت عبر التاريخ نموذجًا للتوازن بين العقل والحس، وبين النظام والحرية.

كما يوضح أن نيتشه رأى في الموسيقى لقاءً بين قوتين متعارضتين: قوة النظام العقلي المرتبطة بأبولون، وقوة النشوة والانفعال المرتبطة بديونيزوس، وأن الإبداع الموسيقي الحقيقي يتولد من التفاعل بين هذين البعدين.

الموسيقى.. مادة تصنعها الآلات وتسكن الإنسان

ينتقل العيادي إلى بحث العلاقة بين الآلة الموسيقية والعمل الفني، موضحًا أن الآلات لا تؤدي دورًا تقنيًا فقط، بل تمثل امتدادًا لقدرة الإنسان على تحويل الصوت إلى تجربة جمالية. فالنغمة ليست مجرد ذبذبة صوتية، وإنما بناء قائم على علاقات دقيقة بين الإيقاع والانسجام والذاكرة والانفعال.

ويؤكد أن الموسيقى تختلف عن بقية الفنون لأنها تنشأ في الزمن وتختفي فيه، فلا يمكن امتلاك العمل الموسيقي كما نمتلك لوحة أو منحوتة، وإنما يعاد تشكيله في لحظة الاستماع داخل وعي المتلقي وخياله.

وفي هذا السياق، يستعيد الباحث أفكار ابن سينا وإخوان الصفا حول تأثير الموسيقى في النفس، موضحًا أن المادة الحقيقية التي تعمل فيها الموسيقى ليست الصوت وحده، بل الإنسان ذاته بما يحمله من مشاعر وذكريات وتصورات.

من الجمال إلى الحكمة

يخلص سالم العيادي إلى أن الموسيقى تمثل نقطة التقاء بين ثلاثة عوالم: عالم الحس بما فيه من أصوات وإيقاعات، وعالم العقل بما يحمله من نظام رياضي، وعالم الروح بما يختزنه من معانٍ وتجارب وجدانية.

ويرى أن فلسفة الموسيقى تكشف جانبًا عميقًا من طبيعة الإنسان، لأن البحث في الألحان هو في جوهره بحث في الذاكرة والانفعال والخيال والوعي. فالموسيقى ليست مجرد فن للمتعة، بل تجربة إنسانية تتجاوز حدود التعبير المباشر، وتمنح الإنسان فرصة للتأمل في ذاته وعلاقته بالعالم.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.