علي كنعان.. تسعون عاماً من الشعر وذاكرة الثقافة العربية

احتفى النادي الثقافي العربي في الشارقة، مساء الخميس، بالشاعر والأديب علي كنعان، في أمسية تكريمية استعادةً لمسيرته الأدبية والفكرية الممتدة لأكثر من سبعة عقود، والتي تنوعت بين الشعر والترجمة والدراسات والمسرح، وأثمرت نحو ثلاثين مؤلفاً، من بينها عشرة دواوين شعرية جُمعت في مجلد «الأعمال الشعرية الكاملة».
وأدار الأمسية الشاعر ياسر دُحي، بحضور الدكتور عمر عبد العزيز، رئيس مجلس إدارة النادي، وعلي المغني، نائب رئيس مجلس الإدارة، إلى جانب عدد من الأدباء والمثقفين.
وأكد الشاعر ياسر دُحي، في تقديمه للأمسية، أن الاحتفاء بعلي كنعان هو احتفاء بقامة شعرية وفكرية تمثل فصلاً طويلاً من فصول الثقافة العربية الحديثة، مشيراً إلى أن تجربته الممتدة عبر عقود حملت الكلمة بوصفها مسؤولية، والجمال بوصفه حالة من الوعي تتجاوز مظاهر التفاضل السطحي.
وقال إن كنعان «حضور تجاوز حد الكتابة إلى بناء المعنى في الجسد الثقافي العربي»، لافتاً إلى أن تجربته وسعت آفاق القصيدة، وفتحت نوافذ للحوار الثقافي والحضاري بين الشعوب، وأسهمت في توسيع فضاء اللغة والإدراك والذائقة الفنية.
وأشار دُحي إلى إسهامات كنعان في إثراء المشهد الثقافي والأدبي في الإمارات، وما نسجته تجربته من علاقات وصداقات وجسور ثقافية «تصل الإنسان بالإنسان».
عمر عبد العزيز: كنعان «مفكر وديع»
من جانبه، وصف الدكتور عمر عبد العزيز الشاعر علي كنعان بأنه «مفكر وديع»، معتبراً ذلك سمة أساسية في شخصيته وتجربته، وقال إن هذه المنزلة لم تكن لتتحقق لولا طبع جعل علاقته بالمحيط قائمة على «حوار المعاني، المفضي إلى دروب الأماني».
وأوضح أن هذا المسار انعكس في علاقته باللغات، واستشرافه لجماليات العربية والإنجليزية، وتجربته مع الثقافة اليابانية، إلى جانب اهتمامه بتحقيق ودراسة أدب الرحلات العربي.
وأضاف أن حصيلة هذا التطواف المعرفي والذوقي تجاوزت عشرين عنواناً في أنماط مختلفة من التأليف، وصولاً إلى إصدار أعماله الشعرية الكاملة.
وأكد أن النادي الثقافي العربي، من خلال تكريم علي كنعان، يحتفي أيضاً بالثقافة العربية وقاماتها التي حافظت على وهجها، وأسهمت في نقلها إلى فضاءات المعرفة والثقافة العالمية.
علي كنعان: عشت تسعين عاماً بصحبة الشعر
وفي مستهل حديثه، وجّه الشاعر علي كنعان الشكر إلى صاحب السمو حاكم الشارقة، تقديراً لما حققته الإمارة من منجزات ثقافية كبيرة، ولدعم سموه المتواصل والسخي للثقافة العربية، معرباً عن أمله في أن تحكم الثقافة العالم.
واستعاد كنعان خلال الأمسية محطات من حياته وعلاقته المبكرة بالشعر، قائلاً: «عمري تسعون عاماً، وعشت صحبة الشعر تسعين عاماً؛ لأن أمي كانت تناغي لي به قبل أن أولد».
وتحدث عن بدايات علاقته بالشعر والمطالعة، وعن افتتانه ببلاغة اللغة العربية وجمال الخط العربي ومرونة الحرف، قبل أن تفتح له دراسة اللغة الإنجليزية في الجامعة أفقاً ثقافياً جديداً «ينفتح على العالم كله».
واستعاد كنعان دهشته الأولى عند انتقاله من قريته البدوية الصغيرة «الهزة» إلى دمشق، واصفاً تلك اللحظة بأنها انتقال من عالم القرية المحدود إلى عالم المدينة المعاصرة المفتوح على كل شيء.
كما تحدث عن بداياته الشعرية وعلاقته بمجلة «الآداب»، مشيراً إلى دور الأديب سهيل إدريس في فتح باب النشر أمام جيل من الشعراء الشباب، وهو ما منحه وزملاءه دفعة قوية وحضوراً في المشهد الشعري آنذاك.
المكان في شعر كنعان
واحتل المكان مساحة بارزة في حديث كنعان عن تجربته الشعرية، إذ أشار إلى أنه كتب عن قريته وعن دمشق، وعن أماكن زارها في العالم، ومنها الولايات المتحدة، حيث كتب عن تمثال الحرية، كما استلهم تجربته في اليابان التي عاش فيها أستاذاً جامعياً، فكتب قصائد عن مدن وأماكن يابانية متعددة.
وتوقف عند تجربة الإمارات التي عاش فيها ثلاثين عاماً، واصفاً إياها بأنها «تجربة فريدة من نوعها»، لما شهدته من عمل إبداعي مكثف، وصداقات إنسانية وثقافية عميقة، وعلاقات راسخة، واحتضان كريم «نابع من قيم وأصالة عربية بعيدة الجذور في التاريخ».
واختتم الشاعر علي كنعان الأمسية بقراءة عدد من قصائده التي تمثل مراحل مختلفة من تجربته الشعرية، من بينها قصيدة «في زمان الكهوف الكتيمة»، التي يستحضر فيها أسئلة الإنسان والهوية والاغتراب في عالم تتحول فيه الذات إلى مجرد رقم:
في زمانِ الكهوفِ الكتيمةِ في رحمِ الصخرِ
والناسُ في قاع محنتهم
يحلمون بأشياء غائمةكنت أعرفُ نفسي
كما كنت أعرفُ بيتي
وأعرفُ أهلي.. ودنيا فصيلتنا الشاردةرقماً صرتُ في ملفَّاتهم – سادتي العظماء!-
رقماً من ملايين..إنني أحسدُ النملَ في عيشِهِ..
فـما زال نملاً
والعصافير أغبطها.. فهي، بعد، عصافير
وأنا صرتُ رقماًالمرايا تكذِّبني.. لستُ أعرفُ نفسي تماماً.
