300 قطعة فضية.. من يحرس ذاكرة حضرموت؟

في منزل متواضع بمدينة سيئون، شرقي اليمن، اختار حسن عمر باحشوان أن يحوّل شغفه بالفضة القديمة إلى مشروع يحفظ ذاكرة حضرموت. خصص إحدى غرف منزله لمقتنيات جمعها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، لتصبح اليوم أشبه بمتحف صغير يضم مئات القطع التي تروي حكايات عن الحرفة والهوية والعادات الاجتماعية.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «الرافد» التي تصدر عن دائرة الثقافة في الشارقة، بدأ باحشوان رحلة جمع المشغولات الفضية القديمة وأدوات صياغتها منذ أكثر من 30 عاماً، مستنداً إلى إرث عائلي ارتبط بصناعة الفضة والاتجار بها. ومع مرور الوقت، لم تعد المجموعة بالنسبة إليه مجرد مقتنيات ثمينة، بل أصبحت جزءاً من مشروع شخصي لحماية جانب من التراث الحضرمي من النسيان.
من إرث عائلي إلى متحف صغير
يبلغ حسن عمر باحشوان 56 عاماً، ويعمل موظفاً تربوياً في مكتب وزارة التربية والتعليم بوادي حضرموت، لكنه اختار أن يجعل للتراث مساحة خاصة في حياته.
وترتبط أسرته، المعروفة باسم باحشوان، بتاريخ في صناعة الفضة والتجارة بها، وهو ما أسهم في تشكيل اهتمامه المبكر بهذه الحرفة ومقتنياتها.
وفي عام 2010، أسس مركز باحشوان للتراث الحضرمي، جامعاً فيه بين العرض المتحفي والتوثيق الثقافي، لتتحول الغرفة التي بدأت كمكان لحفظ المقتنيات إلى مساحة تستقبل الباحثين والمهتمين بالتراث والزوار.
300 قطعة.. وكل قطعة لها حكاية
يضم المركز نحو 300 قطعة فضية نادرة، يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من قرنين، إلى جانب أدوات قديمة وحديثة استخدمت في صياغة الفضة، وأزياء حضرمية تقليدية مطرزة بخيوط فضية.
لكن قيمة هذه المجموعة لا تكمن في عمر القطع أو مادتها فقط؛ فالكثير منها يرتبط بعادة أو مناسبة أو مرحلة من مراحل الحياة، ولذلك تبدو المجموعة كأنها سجل اجتماعي مصغر لحضرموت.
ومن أبرز المقتنيات «مرية المعيشوقة»، وهي قطعة ارتبطت بعادات الزواج وكانت تُهدى إلى العروس، وتحمل دلالات رمزية تتصل بالحياة الزوجية الجديدة.
كما يحتفظ المركز بـ**«المُطَل»**، وهي أساور ترتديها العروس خلال حفلات الزفاف، إضافة إلى «الحرز» المرتبط بالرقصات الشعبية، والذي يصدر أصواتاً تتناغم مع إيقاع الطبول.
وهكذا تكشف المشغولات الفضية أن الزينة في المجتمع الحضرمي لم تكن منفصلة عن الحياة الاجتماعية، بل كانت حاضرة في الزواج والاحتفال والطقوس الشعبية.
الفضة تروي تفاصيل الحياة اليومية
لم تقتصر المشغولات الفضية الحضرمية على النساء، بل استخدم بعضها الرجال والأطفال أيضاً، وحملت قطع معينة رموزاً ثقافية ودينية.
وتتميز الحلي بتنوع زخارفها، التي تشمل أشكالاً هندسية وعناصر مستوحاة من البيئة المحلية، كما تختلف بعض تفاصيلها باختلاف المناطق والعادات.
ومن القطع النادرة في المركز «الثوب الهجريني»، وهو زي تقليدي مطرز بخيوط فضية، وما يزال مستخدماً في بعض القرى الحضرمية.
ويجمع الثوب بين القيمة الفنية والمكانة الاجتماعية، فضلاً عن ارتفاع قيمته المادية. وقد حصل على المركز الأول في معرض للأزياء والتراث أقيم في واشنطن عام 2008.
من سيئون إلى واشنطن
لم تبق تجربة باحشوان محصورة داخل منزله أو مدينته، فقد استقبل المركز خلال أكثر من 15 عاماً مئات الزوار من داخل اليمن وخارجه، بينهم باحثون ومهتمون بالتراث ووفود رسمية ودبلوماسية وممثلون عن منظمات دولية.
كما خرجت مقتنياته إلى عدد من المعارض والفعاليات، وأسهمت مشاركاته في التعريف بالحرف والمشغولات الحضرمية أمام جمهور أوسع.
وفي مايو 2011، شارك باحشوان بمقتنيات من مركزه في معرض متخصص أقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن، كما شارك في معارض وفعاليات تراثية في صنعاء عامي 2012 و2014، إلى جانب فعاليات في المكلا وغيل باوزير وسيئون ومشاركات أخرى في عدد من الدول العربية.
كتاب يوثق تراث الفضة
لم يتوقف اهتمام باحشوان عند جمع القطع وحفظها، بل امتد إلى توثيق المعلومات المرتبطة بها.
وساهم في إصدار كتاب «كنوز من حضرموت» بالتعاون مع الباحثة الأمريكية مارجوري رانسوم، بهدف توثيق جوانب من التراث الحضرمي، ولا سيما تاريخ صناعة الفضة التقليدية والحديثة.
وتكتسب عملية التوثيق أهمية خاصة؛ لأن القطعة التراثية لا تكفي وحدها لفهم تاريخها. فمعرفة اسمها ووظيفتها وطريقة استخدامها والمناسبة التي ارتبطت بها تمنحها قيمة معرفية تتجاوز قيمتها المادية.
عائلات حافظت على حرفة الفضة
ارتبطت صناعة الحلي الفضية في حضرموت بعدد من الأسر التي توارثت هذه الحرفة وحافظت على تقاليدها عبر الأجيال.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الصناعة أسر باحشوان، وحسان، والعماري، وباداؤود، وباقطيان، وباطاهر.
وكانت الفضة في المجتمع الحضرمي مرتبطة في بعض مراحلها بالمكانة الاجتماعية والقوة، كما شكلت جزءاً من المظهر العام للمناسبات والأعراس والعادات الشعبية.
ولهذا فإن دراسة هذه المشغولات لا تكشف تاريخ الحرفة فقط، وإنما تقدم مدخلاً لفهم المجتمع الذي أنتجها، وعلاقته بالزينة والمكانة والاحتفال والهوية.
تراث ثمين يواجه تحديات النسيان
رغم القيمة الثقافية التي يمثلها المركز، يواجه باحشوان تحديات عدة، في مقدمتها غياب الدعم الرسمي والمؤسسي، وهو ما يحد من إمكانية تطوير المكان وفق المعايير المتحفية الحديثة.
فالمجموعات التراثية تحتاج إلى ظروف مناسبة للحفظ والترميم والتوثيق والعرض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطع نادرة يعود بعضها إلى مئات السنين.
ومع ذلك، يواصل باحشوان الاحتفاظ بمقتنياته، حتى إنه رفض عروضاً مالية لبيع بعض القطع النادرة، لأنه يرى فيها جزءاً من هوية حضرموت والذاكرة الثقافية اليمنية.
حين تصبح الفضة ذاكرة
قد تبدو 300 قطعة فضية مجموعة من المقتنيات القديمة، لكنها بالنسبة إلى باحشوان أكثر من ذلك بكثير.
إنها وجوه من حياة حضرموت: عروس تستعد لزفافها، وحرفة يتناقلها الصناع، وطقوس شعبية تحفظها الأجيال، وأزياء تحمل تفاصيل المكان، وقطع صنعتها أيادٍ لم يعد أصحابها حاضرين.
ومن غرفة صغيرة في منزل بمدينة سيئون، يحاول باحشوان أن يمنح هذه التفاصيل فرصة أخرى للبقاء.
فحين تُحفظ قطعة تراثية، لا يُحفظ معدنها وشكلها فقط، بل تُحفظ معها حكاية الإنسان الذي صنعها واستخدمها، والبيئة التي ولدت فيها، والذاكرة التي منحتها معناها.
وهنا تصبح الفضة أكثر من حُليّ قديمة؛ تصبح ذاكرة حضرموت نفسها.
