النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار6 سبتمبر 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

جماليات إماراتية: سلامة المزروعي.. حين تزهر الأنوثة

جماليات إماراتية: سلامة المزروعي.. حين تزهر الأنوثة

ماذا لو لم تكن المرأة في اللوحة مجرد امرأة؟ ماذا لو تحول جسدها إلى حديقة، وشعرها إلى امتداد للظل، وأصبحت الزهور جزءاً من ملامحها، بينما ينساب الماء تحتها حاملاً صورتها وشيئاً من ذاكرتها؟

من هذه المنطقة الحالمة، تأخذنا الفنانة التشكيلية الإماراتية سلامة المزروعي إلى عالمها الخاص، في لوحة لا تكتفي برسم المرأة، بل تعيد اكتشافها من خلال الطبيعة واللون والخط العربي. لوحة تبدو للوهلة الأولى هادئة ومبهجة، لكن الاقتراب منها يكشف طبقات أخرى من المعنى؛ فالزهور ليست زهوراً فقط، والماء ليس مجرد خلفية، والخط العربي ليس مجرد كتابة، وحتى الجسد نفسه يبدو وكأنه يعبر من عالم الإنسان إلى عالم الطبيعة، في قراءة فنية تنقلها صحيفة الخليج.

هنا تبدأ الحكاية.

تقف المرأة في قلب المشهد، لكن حدودها لا تبدو ثابتة. جزء من جسدها يحتفظ بملامحه الإنسانية، فيما تتسلل الألوان والزهور إلى بقية التكوين، حتى يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي الجسد وأين تبدأ الحديقة.

وكأن الفنانة تقول إن المرأة ليست منفصلة عن الحياة من حولها؛ إنها جزء منها، تحمل في داخلها قدرتها على النمو والتجدد، مثل الأرض حين تستعيد خضرتها، ومثل زهرة تفتح أوراقها بعد انتظار.

ولذلك اختارت المزروعي أن تتحرر من الشكل الواقعي للجسد. لم تبحث عن تشابه فوتوغرافي، ولم تجعل التفاصيل التشريحية غايتها، بل تركت اللون يقود العين، والخطوط تنساب بحرية، لتمنح المرأة حضوراً أقرب إلى الحلم.

تتوزع الزهور على امتداد الجسد بأحجام وألوان مختلفة. الأحمر والوردي والبرتقالي تتجاور مع درجات الأخضر، فتبدو المرأة وكأنها تحمل ربيعها الخاص.

لكن الزهور هنا تؤدي دوراً يتجاوز الزينة. إنها تلمح إلى الولادة والنمو والتفتح والتجدد، وهي معانٍ تجعل حضورها إلى جوار المرأة شديد الدلالة. فحين تضع الفنانة الزهرة فوق الجسد وداخله وحوله، فإنها لا ترسم مشهداً طبيعياً فحسب، بل تبني علاقة بين المرأة ودورة الحياة نفسها.

وفي الخلفية، يأتي الماء ليكمل الحكاية. تنعكس الصورة على سطحه، وكأن اللوحة لا تتحدث عن الحاضر وحده، بل عن صورة تبقى في الذاكرة. فالماء، بما يحمله من انعكاس وحركة، يمنح المشهد إحساساً بأن الماضي لا يغيب تماماً، وإنما يعود إلينا في صور مختلفة.

ثم تأتي المفاجأة التي تمنح العمل خصوصيته الثقافية.

فوسط هذا العالم المليء بالزهور والألوان، يحضر الخط العربي على امتداد الجانب الأيمن من جسد المرأة، حاملاً بيتاً من قصيدة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «لي سرت م العين سراية.. والملا بالنوم نعاس»

فجأة، لا تعود اللوحة مجرد مشهد سريالي عن امرأة وطبيعة. تدخل الذاكرة الإماراتية إلى قلب التكوين.

الكلمة تصبح لوناً، والخط يصبح جزءاً من الجسد، والشعر يتحول إلى مساحة بصرية، بينما تلتقي القصيدة مع الزهور والماء في مشهد واحد. وبهذا التداخل، تفتح المزروعي نافذة على الهوية من دون أن تثقل العمل بالرموز المباشرة.

إنها تستدعي التراث، لكنها لا تستنسخه؛ تستحضره داخل رؤية تشكيلية معاصرة.

وربما تكمن قوة اللوحة في أنها لا تقدم إجابة واحدة. يمكن أن يراها المتلقي بوصفها احتفاء بالمرأة، ويمكن أن يقرأها باعتبارها بحثاً في الذاكرة والهوية، وقد يجد فيها ببساطة مشهداً جمالياً يترك أثراً قبل أن يفرض تفسيراً.

وهذا ما يمنح العمل سحره.

فالمرأة هنا ليست موضوعاً مرسوماً أمام العين، بل حالة تمتد إلى ما حولها. الزهور تشبهها، والماء يحتفظ بانعكاسها، والخط يحمل صوت المكان، والألوان تمنحها حياة أخرى.

وفي النهاية، يبدو أن سلامة المزروعي لم ترسم امرأة بين الزهور، بل فعلت شيئاً أكثر شاعرية: جعلت الأنوثة نفسها تزهر داخل اللوحة.

وهنا، ربما، تكمن الحكاية التي أرادت الفنانة أن تتركها للمتلقي؛ امرأة تحمل جمالها وذاكرتها وهويتها، وتمضي بها من الماضي إلى المستقبل، مثل زهرة لا تتوقف عن التفتح.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.