من الشارقة إلى العالم.. كيف تصنع الإمارة جسور الثقافة العربية؟

الشارقة – محمد فال معاوية
لم تعد الثقافة في الشارقة شأناً محلياً ينحصر أثره داخل حدود الإمارة، بل أصبحت مشروعاً يتقدم إلى العالم عبر الكتاب والسرد والتراث والفنون، ويبحث عن مساحات جديدة للحوار والتفاعل. وما يلفت في هذا الحضور أنه لا يقوم على المشاركة العابرة في الفعاليات الدولية، بقدر ما يستند إلى بناء علاقات ثقافية طويلة المدى، تجعل من الشارقة نقطة اتصال بين الثقافة العربية ودوائر معرفية متعددة حول العالم.
غير أن وراء هذا الامتداد كله رؤية أكثر رسوخاً أرساها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تقوم على أن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء المجتمع، وأن الثقافة والمعرفة ليستا ترفاً يضاف إلى التنمية، بل من مقوماتها وأدواتها. وقد انعكست هذه الرؤية في منظومة واسعة من المؤسسات والمشروعات التي جعلت الكتاب والمعرفة والفنون والتراث جزءاً من الحياة العامة، وأسهمت في ترسيخ مكانة الشارقة بوصفها مركزاً ثقافياً يتجاوز أثره حدود الإمارة.
ومن هذه المنظومة نشأ حضور الشارقة المتنامي خارج حدودها، عبر معارض الكتب والملتقيات والمؤتمرات والبرامج الثقافية التي تحمل معها جانباً من التجربة الإماراتية والعربية، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام التفاعل مع تجارب أخرى. وتكشف الحركة الدولية لهيئة الشارقة للكتاب عن أحد أكثر تجليات هذا التوجه وضوحاً؛ فالكتاب العربي لم يعد ينتظر قارئه في محيطه الجغرافي، بل باتت الشارقة تحمله إلى منصات ثقافية متعددة، وتعمل على توسيع دائرة الحوار حوله.
وخلال عام 2026، اتخذ هذا الحضور أشكالاً متتابعة، من بينها نحو 15 مشاركة ومحطة دولية لهيئة الشارقة للكتاب خلال النصف الأول من العام، وصولاً إلى تعزيز حضور الكتاب العربي في روسيا من خلال مذكرة تفاهم في موسكو تهدف إلى توسيع التعاون في مجالات معارض الكتب والفعاليات الثقافية وحركة الترجمة وتبادل حقوق النشر بين العربية والروسية.
ولا تكمن أهمية هذه الخطوات في اتساع رقعة الحضور وحدها، وإنما في طبيعة الدور الذي تؤديه. فالشارقة لا تقدم الثقافة العربية بوصفها مادة للعرض فقط، وإنما بوصفها طرفاً في حوار متكافئ مع ثقافات أخرى. وهذا فارق جوهري بين الحضور الثقافي بوصفه فعالية موسمية، والحضور بوصفه مشروعاً يبني جسوراً قابلة للاستمرار.
ويظهر هذا المعنى بوضوح في تجربة ملتقى الشارقة للسرد، الذي خرج في دورته الثانية والعشرين إلى عمّان، وناقش القصة القصيرة وقضايا السرد بمشاركة أدباء ونقاد وباحثين من الأردن وعدد من الدول العربية. إن انتقال الملتقى إلى مدينة عربية أخرى لا يعني نقل فعالية من مكان إلى مكان، بقدر ما يعكس تصوراً للثقافة العربية باعتبارها فضاءً مشتركاً، تتكامل داخله التجارب وتتبادل فيه المدن أدوارها.
والأمر نفسه ينطبق على ملتقى الشارقة الدولي للراوي، الذي يستعد لدورته السادسة والعشرين بمشاركة أكثر من 120 راوياً وباحثاً ومشاركاً من 28 دولة. هنا تستعيد الحكاية الشفاهية موقعها في المشهد الثقافي المعاصر، لا بوصفها بقايا من الماضي، وإنما باعتبارها وسيلة لفهم الذاكرة والهوية وتبادل الخبرات بين الشعوب.
وهذا التوسع من الكتاب إلى السرد، ومن السرد إلى التراث، يكشف أن المشروع الثقافي للشارقة لا يتحرك في مسار واحد. إنه يبني شبكة متعددة المسارات، تتجاور فيها المعرفة المكتوبة مع الذاكرة الشفاهية، والكتاب مع الفن، والتراث مع الأسئلة الجديدة التي يطرحها العالم المعاصر.
ومن هنا يمكن فهم حضور الشارقة في فضاءات ثقافية تمتد من العالم العربي إلى آسيا وأوروبا وإفريقيا، باعتباره محاولة لتأسيس علاقة مستمرة لا تكتفي بتقديم الثقافة العربية إلى الآخر، وإنما تستمع إليه أيضاً. فالجسر الثقافي لا يكون ناجحاً إذا كان اتجاهه واحداً؛ قيمته الحقيقية تبدأ عندما يسمح بالعبور في الاتجاهين.
وفي عالم تتسارع فيه الوسائط وتتراجع فيه المسافات، قد يبدو الوصول إلى الجمهور العالمي أكثر سهولة من أي وقت مضى، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول، وإنما في ترك أثر. فالمحتوى يمكن أن ينتشر في لحظات، بينما تحتاج الأفكار إلى وقت كي تتحول إلى معرفة، وتحتاج العلاقات الثقافية إلى تراكم كي تصبح جسوراً راسخة.
لهذا تبدو تجربة الشارقة مختلفة في جوهرها: إنها لا تتعامل مع الثقافة بوصفها واجهة للتعريف بالمكان فحسب، بل باعتبارها أداة لبناء العلاقة مع الإنسان في مكان آخر. فالكتاب الذي يعبر إلى قارئ جديد، والحكاية التي تنتقل إلى ذاكرة أخرى، والمبدع الذي يجد فضاءً للحوار خارج بلده، كلها نتائج تتجاوز حدود الفعالية نفسها.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: كيف تصل الشارقة إلى العالم؟ بل: ماذا تترك فيه بعد أن تصل؟
هنا تحديداً يُقاس نجاح المشروع الثقافي؛ لا بعدد المدن التي تحمل اسمه، ولا بعدد المشاركات التي تسجلها أجندته، وإنما بعدد العلاقات التي تستمر، والكتب التي تجد قراء جدداً، والحكايات التي تعبر إلى ذاكرة أخرى، والأفكار التي تبدأ في مكان ثم تجد لها صدى في مكان بعيد.
إن الشارقة، بهذا المعنى، لا تبني جسوراً للثقافة العربية إلى العالم فحسب؛ بل تعيد تعريف وظيفة الجسر نفسه. فهو ليس طريقاً للعبور فقط، وإنما مساحة للقاء. وحين تصبح الثقافة مساحة للقاء، تتحول من نشاط إلى أثر، ومن حضور إلى علاقة، ومن مدينة تنفتح على العالم إلى مدينة تساعد الثقافات على أن تنفتح بعضها على بعض.
