“العربية بين المنظور والمسطور”.. من الصوت إلى المعنى

يقدّم كتاب «العربية… بين المنظور والمسطور» للدكتور عمر عبد العزيز، الصادر عن دار البيان العربي، مقاربة تأملية للغة العربية تتجاوز النظر إليها بوصفها أداة للتعبير والتواصل، لتبحث في صلاتها بالصوت والحرف والرسم والمعنى والتأويل، وتفتح أسئلة تتقاطع فيها اللغة مع الفلسفة والفن والعرفان والتجربة الإنسانية.
صدر الكتاب في 30 سبتمبر 2025 في إصدار رقمي يقع في 144 صفحة، ويحمل الرقمين الدوليين ISBN 9789948700470 و9948700473. ويأتي المؤلف إلى موضوع اللغة من تجربة معرفية متعددة الحقول؛ فقد وُلد في مقديشو عام 1953 لأبوين يمنيين من تعز، وتلقى في طفولته العربية والصومالية والإيطالية، وحصل لاحقاً على الدكتوراه في فلسفة العلوم الاقتصادية، وتولى عدداً من المهام الثقافية والإعلامية والفنية، وله أكثر من مائة إصدار في مجالات أدبية وفنية وفكرية مختلفة.
ويقوم الكتاب على ثنائية «المنظور» و«المسطور» باعتبارها مدخلاً أساسياً لفهم مشروعه؛ فالمسطور يحيل إلى عالم الحرف والكتابة والعبارة، بينما يتصل المنظور بما يتجاوز المرئي المباشر إلى الإشارة والرؤية والتأويل. وبين المستويين تتحرك أسئلة الشفاهة والكتابة، والصوت والرسم، والحرف وهيئته، والمعنى والتأويل، والزمن والوجود والترجمة والإبداع.
ولا يحصر عبد العزيز كتابه في تخصص معرفي واحد؛ إذ يتجاور فيه الخطاب اللغوي واللساني مع التأمل الفلسفي والإشارات العرفانية والبعد الجمالي والسيري. كما يستند إلى تجربة المؤلف الشخصية مع التعدد اللغوي والفن والإعلام والترجمة، وهو ما يمنح الكتاب تعدد مداخله واتساع أسئلته.
من القراءة الأفقية إلى القراءة الرأسية
ومن أبرز المفاهيم التي يطرحها الكتاب ثنائية «القراءة الأفقية» و«القراءة الرأسية». فالقراءة الأفقية ترتبط بالعبارة والمعرفة المكتسبة والنص الظاهر، فيما تحاول القراءة الرأسية النفاذ إلى الإشارة وما يمكن أن يكمن وراء السطر.
ولا يقدم الكتاب هذين المسارين باعتبار أحدهما بديلاً عن الآخر؛ فالقراءة الأفقية توفر المادة، بينما تحاول القراءة الرأسية استنطاق إمكاناتها ودلالاتها الخفية. ومن هنا لا يصبح الهدف هدم المسطور، وإنما مساءلته وفتح طبقاته.
الصوت قبل الحرف
ويحتل الانتقال من الشفاهة إلى الكتابة موقعاً بارزاً في الكتاب، إذ ينطلق المؤلف من أولوية اللغة الشفاهية على التدوين، متوقفاً عند الثقافة العربية قبل الإسلام وما ارتبط بها من الحفظ والأداء والرواية.
ومن هذا المنطلق يعيد النظر في مفهوم «الأميين»، بعيداً عن اختزاله في انعدام المعرفة، مقترحاً قراءته ضمن سياق ثقافي كانت فيه المعرفة تنتقل عبر منظومة شفاهية قائمة على الحفظ والتلقي والأداء.
وتتصل بذلك فكرة أخرى محورية تتمثل في النظر إلى «الحرف» بوصفه ترجماناً للصوت؛ فالكتابة، وفق هذا التصور، محاولة لتحويل المسموع إلى مرئي، والزمن الصوتي إلى شكل مكاني ثابت. كما يتوقف المؤلف عند الرسم القرآني وعلاقته بالضبط والأداء الصوتي.
هندسة الحروف.. من الفكرة إلى السؤال
ومن أكثر أفكار الكتاب إثارة للتأمل ما يسميه عبد العزيز «الهندسة البنائية للحروف»، حيث ينتقل النظر إلى الحرف من وظيفته الكتابية المباشرة إلى هيئته بوصفها شكلاً يمكن أن تتقاطع فيه أبعاد بصرية وصوتية ودلالية.
ويستشهد المؤلف بعدد من الحروف، محاولاً استقراء الصلات الممكنة بين هيئاتها وبعض الحقول الدلالية للكلمات التي تدخل فيها. وتفتح هذه الرؤية، كما تشير القراءة، مساحة للبحث في العلاقة بين الشكل والصوت والدلالة، وفي تاريخ الكتابة وتطور الأشكال الأبجدية.
ولا تتعامل القراءة مع هذه الأطروحة بوصفها نتيجة نهائية، بل تراها مجالاً مفتوحاً للبحث والمقارنة، خصوصاً مع اتساع السؤال من أمثلة محددة إلى منظومة الحروف العربية بأكملها.
اللغة والزمن والترجمة
ويمتد الكتاب من اللغة إلى سؤال الزمن والوجود، متناولاً مفهوم «الزمن الدهري» و«الزمن الصفري»، حيث يحاول المؤلف النظر إلى الحاضر باعتباره لحظة تتقاطع فيها أبعاد الماضي والمستقبل.
ويقرأ هذا الجانب في إطار تأملي فلسفي وعرفاني، أكثر من كونه محاولة للبرهنة الفيزيائية، ضمن منهج ينتقل من الظاهرة المحسوسة إلى الرمز، ومن الحركة إلى المفهوم.
كما يتوقف الكتاب عند «المخاتلة الإبداعية»، بوصفها حركة بين ما يمكن قوله وما يتعذر التعبير عنه بصورة مباشرة، قبل أن ينتقل إلى الترجمة باعتبارها واحدة من أكثر مناطق الاحتكاك بالغيرية تعقيداً.
ويرى عبد العزيز أن المترجم لا ينقل الكلمات وحدها، وإنما يواجه نظاماً لغوياً وثقافياً وجمالياً مختلفاً، وتتضاعف الصعوبة في الشعر حيث يتداخل المعنى مع الإيقاع والصورة والإيحاء. ومن هنا يبرز التمييز بين «الترجمة» و«الترجمان»، في محاولة للانتقال من نقل ظاهر النص إلى استعادة تجربته وروحه.
المعنى والتأويل
ومن المفاتيح النظرية الأساسية في الكتاب التمييز بين «المعنى» و«التأويل». فالمعنى، وفق تصور عبد العزيز، قد ينبثق بصورة تلقائية من المواجد والأذواق واللطائف، بينما يتطلب التأويل جهداً أكبر يقوم على القلق والشك والتحقق.
ومن هنا يصبح القارئ طرفاً فاعلاً في إنتاج الدلالة، إذ لا يكتفي بتلقي المعنى الأول، وإنما يدخل في مواجهة مع النص، ويبحث في طبقاته وإمكاناته التي لا تستنفدها القراءة المباشرة.
ويستدعي الكتاب في هذا السياق مفهوم «موت المؤلف» لدى رولان بارت، مع محاولة وضعه في حوار مع تقاليد أقدم في القراءة والتلقي، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين تشابه النتائج وتطابق المناهج.
تجربة المؤلف جزء من المنهج
وتكتسب أفكار الكتاب بعداً إضافياً من سيرة مؤلفه، ولا سيما تجربته المبكرة مع تعدد اللغات. فقد أتاحت له هذه التجربة النظر إلى اللغة من الداخل والخارج في آن واحد، وهو ما يضيء اهتمامه بالفروق بين الصوت والرسم، وبين العبارة والإشارة.
ولا يعزل عبد العزيز تجربته عن المعرفة المكتسبة، بل يضعها ضمن تفاعل بين الموهبة والقراءة والممارسة الفنية والتشكيلية والإعلامية، لتصبح السيرة الشخصية جزءاً من تفسير المنهج، لا مجرد خلفية بعيدة عنه.
مشروع مفتوح على البحث
وتخلص القراءة إلى أن اتساع كتاب «العربية… بين المنظور والمسطور» يضع القارئ أمام مراتب متعددة من القول؛ بعضها وصفي لغوي، وبعضها تأملي فلسفي، وبعضها عرفاني أو جمالي، فيما تظل مجموعة من الأفكار مفتوحة على مزيد من المقارنة والاختبار.
وتبدو بعض الأطروحات، ولا سيما ما يتعلق بهندسة الحروف والعلاقة بين الصوت والرسم، قابلة لمزيد من التوسع من خلال الدراسات المقارنة التي يمكن أن تختبر مدى خصوصيتها للعربية أو اتصالها بأنماط أوسع في تاريخ الكتابة واللغة. كما تبرز الحاجة إلى قراءة الإحالات الفكرية والفلسفية داخل سياقاتها الأصلية، بما يتيح توسيع الحوار مع الأفكار التي يستدعيها الكتاب.
وفي خاتمة القراءة، يبدو الكتاب مشروعاً مفتوحاً على السؤال أكثر من كونه محاولة لتقديم إجابات نهائية. فهو يتحرك بين العلم والعرفان، والنقد والتأمل، واللغة والوجود، والحرف والكون، ويعيد طرح سؤال العلاقة بين ما نسطّره وما نراه.
ولعل السؤال الأوسع الذي يتركه الكتاب هو: إلى أي مدى تستطيع اللغة أن تكشف، وإلى أي مدى تظل محتفظة بما لا تكشفه؟
في هذه المسافة بين «المنظور» و«المسطور» يجد الكتاب موضوعه الحقيقي؛ فالحرف لا يظهر بوصفه نهاية المعنى، وإنما بوصفه طريقاً إلى السؤال، والسؤال بدوره طريقاً آخر إلى اللغة.
