النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات14 مايو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

الشارقة.. القرآن بوصفه مشروعاً حضارياً

الشارقة.. القرآن بوصفه مشروعاً حضارياً

محمد فال معاوية

في زمنٍ التسابق المادي، اختارت الشارقة أن تبني الإنسان. وفي وقتٍ تنشغل فيه عواصم كثيرة بإنتاج الصورة، يواصل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بناء مشروع مختلف، يقوم على ترسيخ الثقافة واللغة والقرآن بوصفها ركائز أساسية في النهضة المنشودة، لا مجرد عناوين عابرة.

ما أُعلن عنه خلال حفل تخريج الدفعة السادسة من القرّاء المجازين في مجمع القرآن الكريم بالشارقة لم يكن مناسبة بروتوكولية تقليدية، بل كشف عن ملامح مشروع حضاري متكامل، تسعى الإمارة من خلاله إلى تحويل المعرفة إلى مؤسسة، والهوية إلى عملٍ يومي متراكم، يمتد أثره إلى الأجيال المقبلة.

إعلان اكتمال موسوعة “التفسير البلاغي” للقرآن الكريم في 68 مجلداً، بعد سنوات من العمل العلمي المتواصل، لا يمكن النظر إليه باعتباره إنجازاً ثقافياً عادياً، بل هو تأسيس لمسار علمي عربي نادر في زمنٍ يتراجع فيه الاستثمار الحقيقي في المعرفة العميقة والدراسات الموسوعية.

فاللافت في مشروع الشارقة ليس حجم هذه الأعمال فحسب، وإنما الرؤية التي تقف خلفها. هنا لا يُقدَّم القرآن الكريم باعتباره خطابا وعظيا فقط، بل بوصفه أيضا منبعاً للغة والمعنى والجمال والوعي الحضاري. ومن هذا المنطلق جاء مشروع “الكلمة القرآنية”، الذي يدرس ألفاظ القرآن الكريم ودلالاتها وسياقاتها، في محاولة لإعادة الاعتبار للغة العربية باعتبارها حاملةً للهوية والفكر والتاريخ.

لقد أدركت الشارقة مبكراً أن معركة الأمم لم تعد عسكرية أو اقتصادية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة وعي ومعرفة وهوية. فالأمم تُهزم حين تفقد لغتها، ويتراجع حضورها العلمي، وتضعف صلتها بمرجعياتها الحضارية.

ومن هنا يمكن فهم المسار الذي اختطته الإمارة على مدى أكثر من خمسين عاماً؛ مسار يقوم على بناء الجامعات، والمجامع اللغوية، ودور المخطوطات، والمراكز القرآنية، والمشاريع البحثية، ضمن رؤية متكاملة ترى أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لبناء الإنسان.

ولعل ما يمنح هذا المشروع بعده الأوسع أنه لم يبقَ محصوراً داخل حدود الشارقة، بل امتد إلى العالمين العربي والإسلامي، ولا سيما في إفريقيا، حيث يعود كثير من خريجي الجامعة القاسمية ومجمع القرآن الكريم إلى بلدانهم لتأسيس مراكز لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، بما يعزز حضور الثقافة العربية والإسلامية عبر التعليم والمعرفة.

وهنا تتجلى قوة “القوة الناعمة” الحقيقية؛ تلك التي تُبنى بالعلم واللغة والإنسان، لا بالشعارات العابرة أو الحملات المؤقتة.

كما أن إعلان إنشاء “دار الحديث” في المدينة الجامعية بالشارقة يكشف أن المشروع الثقافي والعلمي في الإمارة لا يسير بمنطق المبادرات المنفصلة، بل ضمن منظومة معرفية متكاملة، تربط بين علوم القرآن واللغة العربية والدراسات الإسلامية في إطار أكاديمي حديث.

وفي حديثه خلال الحفل، بدا حاكم الشارقة منحازاً لفكرة بناء الإنسان قبل أي شيء آخر؛ إذ استعاد دور المدرسة والمعلم والخط العربي واللغة في تشكيل الوعي والقيم، في رسالة تعكس إيماناً عميقاً بأن النهضة تبدأ من التعليم، وأن حماية الهوية تبدأ من الكلمة.

الشارقة اليوم تقدم نموذجاً مختلفاً؛ نموذجا للإمارة التي تحاول أن تتحول إلى “وقف حضاري” مفتوح للعلم والثقافة واللغة والقرآن.

تبدو مشاريع الشارقة الثقافية أكثر قدرة على البقاء، لأن الاستثمار في المعرفة لا يصنع الحاضر فقط، بل يكتب المستقبل أيضاً.

وفي لحظة عربية تتراجع فيها مكانة اللغة العربية، وتتآكل فيها المؤسسات الثقافية، تبدو الشارقة وكأنها تطرح سؤالاً بالغ الأهمية على العالم العربي كله: كيف يمكن بناء نهضة حديثة دون مشروع معرفي يحمي الهوية ويعيد الاعتبار للعلم واللغة والإنسان؟

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.