النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات15 مايو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

من الشفاهة إلى الكتابة.. كيف غيّر الإنسان صوته إلى أثر خالد؟

من الشفاهة إلى الكتابة.. كيف غيّر الإنسان صوته إلى أثر خالد؟

في مقاله العميق المنشور في مجلة «الرافد» الصادرة عن دائرة الثقافة في الشارقة، يفتح الباحث المغربي د. بوجمعة العوفي باباً فكرياً واسعاً للتأمل في واحدة من أكثر التحولات الإنسانية تأثيراً في التاريخ: انتقال الإنسان من عالم الشفاهة والصوت إلى عالم الكتابة والأثر المادي المرئي.

لا يتعامل النص مع الكتابة باعتبارها مجرد وسيلة للتدوين، بل بوصفها انقلاباً حضارياً غيّر علاقة الإنسان بالوجود والذاكرة والحقيقة والزمن. فقبل آلاف السنين، كان الصوت هو السيد المطلق؛ الذاكرة تحفظ، واللسان يروي، والإنسان يعيش داخل ثقافة قائمة على السماع والتلقين. لكن مع ظهور الكتابة، بدأ العالم يتحول من «سلطة الصوت» إلى «سلطة الأثر».

يرى العوفي، مستنداً إلى أفكار الباحث الكندي والتر ج. أونج، أن البشرية عاشت زمناً طويلاً في فضاء شفاهي خالص، إذ إن الإنسان ظهر قبل عشرات آلاف السنين، بينما لم تظهر المخطوطات الأولى إلا منذ نحو ستة آلاف عام فقط. وهذه الفجوة الزمنية الهائلة تكشف أن الحضارة الإنسانية تأسست أولاً بالكلام، قبل أن تعيد تشكيل نفسها عبر الكتابة.

في الثقافة الشفاهية، كان الصوت مرتبطاً بالحياة والروح والذاكرة. الكلمات تُقال ثم تتلاشى، ولا يبقى منها سوى ما تختزنه الذاكرة البشرية القابلة للنسيان والتحريف. أما الكتابة، فقد منحت اللغة جسداً مرئياً يمكن حفظه واستعادته وتداوله عبر الأزمنة. وهنا تكمن نقطة التحول الكبرى: الكتابة لا تحفظ المعنى فقط، بل تحفظ حضوره أيضاً.

ويستعرض المقال كيف نظر عدد من الفلاسفة إلى هذه الثنائية بين الشفاهة والكتابة. فالفيلسوف أفلاطون كان يرى أن الكتابة تبتعد عن الأصل الحي للكلام، بينما اعتبر جان جاك روسو أن الكتابة تمثل ابتعاداً عن الطبيعة الأولى للإنسان. أما جاك دريدا، فقد تعامل مع الكتابة بوصفها فضاءً معقداً للأثر والاختلاف، حيث لا يعود المعنى ثابتاً أو نهائياً.

لكن النص لا ينحاز بالكامل ضد الشفاهة أو لصالح الكتابة، بل يكشف التوتر العميق بينهما. فالصوت يمتلك حرارة الحضور ودفء الروح، لكنه هشّ وعابر، بينما تمنح الكتابة الاستمرار والثبات، وإن كانت تُفقد الكلمات شيئاً من حيويتها الأولى.

ويخصص العوفي مساحة مهمة لفكرة الذاكرة، مستحضراً «المسألة الهوميرية»، إذ يذهب بعض الباحثين إلى أن الشاعر الإغريقي هوميروس لم يكن يكتب، بل كان يعتمد على قوة الذاكرة الشفوية في إنشاد ملاحمه. وهنا تصبح الذاكرة بطلة الثقافة الشفاهية، قبل أن تنتزع الكتابة منها هذه المهمة التاريخية.

اللافت في المقال أنه لا يقدّم الكتابة كأداة تقنية فقط، بل كحدث بصري أيضاً. فالكتابة، كما يوضح النص، نقلت الكلمات من العالم السمعي إلى العالم المرئي، وجعلت اللغة قابلة للرؤية والتأمل والتأويل. لذلك أصبحت الكتابة أقرب إلى الفنون البصرية مثل الرسم والمسرح والسينما، لأنها تخلق حضوراً مادياً دائماً يمكن العودة إليه مراراً.

ومن أجمل ما يطرحه المقال أن الكتابة حررت الإنسان من هشاشة الذاكرة ومن زوال الصوت. فالكلمة المكتوبة لا تحتاج إلى راوٍ قد يخطئ أو ينسى، بل تبقى ثابتة في الزمن، قابلة للنسخ والانتشار والتأويل. إنها، بتعبير النص، «حضور متواصل في الزمن وفي العين».

ويختم العوفي تأمله باستحضار مقولة المفكر الكندي مارشال ماكلوهان الشهيرة: «لقد وضعت ريشة الإوزة حداً للكلام»، في إشارة إلى أن اختراع الكتابة لم يكن مجرد تطوير لغوي، بل تأسيساً للعمران والدولة والبيروقراطية والمعرفة المنظمة.

النص المنشور في مجلة «الرافد» لا يناقش الشفاهة والكتابة بوصفهما مرحلتين تاريخيتين فقط، بل يضع القارئ أمام سؤال معاصر أيضاً: هل ما نعيشه اليوم من هيمنة الصورة والشاشة والذكاء الاصطناعي يمثل انتقالاً جديداً يتجاوز الكتابة نفسها؟ وهل يعود الإنسان مرة أخرى إلى ثقافة أقرب إلى الشفاهة، لكن بأدوات رقمية حديثة؟

إنه سؤال مفتوح، لكن المؤكد أن رحلة الإنسان من الصوت إلى الكتابة كانت واحدة من أعظم الرحلات التي صنعت الحضارة.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.