فن يكتب ذاكرة غزة

محمد فال معاوية
في زمنٍ تتراكم فيه الصور حتى تُخدِّر الحسّ بدل أن توقظه، يعود الفن ليؤدي وظيفته الأولى: أن يشهد، لا أن يزيّن؛ وأن يُبقي الذاكرة يقِظة في مواجهة ما يُراد له أن يمرّ سريعاً. في غزة، حيث يتداخل اليومي بالاستثنائي حدّ التلاشي، لا يبدو الفن ممارسة جمالية منفصلة عن الواقع، بل امتداداً مباشراً له، وصيغة أخرى من صيغ البقاء. ومن هنا تبرز تجربة الفنان الفلسطيني أحمد مهنا بوصفها محاولة لالتقاط ما يتساقط من الذاكرة تحت وطأة الحرب.
لم يختر مهنا سطح اللوحة التقليدي، بل انزاح إلى ما هو متاح وملحّ: كراتين المساعدات الإنسانية. ذلك الكرتون الذي صُمم ليحمل الغذاء المؤقت، يتحول في يده إلى حاملٍ لزمنٍ آخر؛ زمنٍ مشحون بالصور والنداءات والوجوه. ليست المسألة إذن استبدالاً مادياً بقدر ما هي إعادة تعريف للوسيط نفسه: من أداة إغاثة إلى وثيقة بصرية، ومن عبوة عابرة إلى أرشيف للمعاناة اليومية.
على أحد هذه الأسطح، تظهر عبارة «ليس للبيع أو للبدل»، لكنها لا تبقى في حدودها الإدارية الباردة. في سياقها الغزّي، تتحول الجملة إلى إعلان وجودي كثيف: الإنسان ليس قابلاً للمساومة، والقضية ليست بنداً في سوق التنازلات، بل حقيقة تتجذر في الألم والكرامة معاً.
في لوحات مهنا تتكرر الطفولة بوصفها مركز الثقل لا بوصفها تفصيلاً عابراً. طفلة تحمل قارورة ماء أكبر من احتمالات جسدها الصغير، وطفل يواجه العالم بملامح مثقلة بما يفوق عمره. ليست هذه المشاهد التزاماً بالتوثيق الواقعي فحسب، بل محاولة لزعزعة الاعتياد؛ فالمألوف هنا ليس عادياً، بل مُحمَّل بما ينبغي ألا يُعتاد.
يتوزع العمل بين الأبيض والأسود بوصفهما حدّين أقصى للخبرة الإنسانية، غير أن اللون الأصفر يتسلل في مواضع مختلفة كإشارة خافتة إلى إمكانيةٍ لا تنطفئ تماماً. ليس أصفر الزينة، بل أصفر الضوء حين يقاوم انطفاءه، وحين يصرّ على البقاء ولو في هامش الصورة.
غير أن اللوحة الأكثر كثافة في هذا المسار هي تلك التي تتوسطها عينان فقط، تتقدمان من عمقٍ غامض نحو المتلقي. هنا تتجسد العبارة: «أنا أراك.. هل تراني؟». لا نواجه وجهاً مكتمل الملامح، بل نظرة مكثفة تختزل حضوراً كاملاً. إنها ليست نظرة طلبٍ أو استجداء، بل مساءلة أخلاقية مباشرة: من يملك حق الرؤية؟ ومن يُسمح له بأن يُرى؟
تتضاعف المفارقة حين تغادر هذه الأعمال فضاءها الأول في غزة لتصل إلى معارض أوروبية. هناك، تتحول كراتين المساعدات من أدوات إنقاذ إلى شواهد، ومن وسائط إغاثة إلى ذاكرة معروضة. كأن الرحلة نفسها تُعيد تشكيل المعنى: ما كان مؤقتاً يصبح دائماً، وما كان وظيفياً يتحول إلى أثر.
لكن جوهر التجربة لا يكمن في انتقال اللوحات بقدر ما يكمن في مادتها الأولى: الكرتون. هذه المادة الهشة، المصممة لتكون عابرة، تُعاد كتابتها لتصبح أكثر بقاءً من وظيفتها الأصلية. وفي ذلك ما يشبه مفارقة الحرب نفسها، حين تُحوِّل الأشياء إلى نقيضها: المؤقت إلى دائم، والوظيفي إلى رمزي، والهامشي إلى شاهد.
إن ما يفعله مهنا لا يقف عند حدود التعبير التشكيلي، بل يقترب من فعل أرشفةٍ من نوع خاص؛ أرشفة لا تعتمد على الوثائق الرسمية أو السرديات الكبرى، بل على تفاصيل صغيرة محمّلة بالمعنى: يد طفلة، قارورة ماء، صندوق إغاثة، ونظرة عينين لا تُغلقان سؤالاً.
في نهاية المطاف، لا يقدم هذا الفن إجابات جاهزة بقدر ما يترك السؤال معلقاً في الهواء: «أنا أراك.. هل تراني؟». سؤال يتجاوز حدود اللوحة ليصير اختباراً أخلاقياً مفتوحاً، لا يتعلق فقط بغزة، بل بقدرة العالم على أن يرى الإنسان في لحظة هشاشته القصوى، دون أن يحوّله إلى رقم أو خبر عابر أو صورة سريعة الزوال.
