من يربّي ذائقة القارئ في زمن الوفرة؟

سامي بن يحيى العلي
ثمة مفارقة لافتة في التجربة المعرفية المعاصرة: لم يكن الإنسان في أي لحظة سابقة أقرب إلى الوصول إلى المعرفة مما هو عليه اليوم، ومع ذلك لم تكن المعرفة نفسها عرضة لهذا القدر من الالتباس والارتباك. فالعالم الذي تحقق فيه حلم إتاحة المعرفة على نطاق غير مسبوق، يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف تُفهم المعرفة بعد أن أصبحت متاحة بهذا الشكل اللامحدود؟
لقد نجحت التكنولوجيا في إزالة العائق الأكبر الذي واجه الإنسان تاريخياً، وهو صعوبة الوصول إلى المعلومة. غير أن هذا الإنجاز كشف أن المشكلة لم تكن في الوصول وحده، بل في القدرة على الاستيعاب وإعادة بناء المعنى داخل الذهن، وتحويل الكم إلى فهم، والمعلومة إلى معرفة قابلة للتفكير.
في الماضي، كانت رحلة القراءة تتشكل بوصفها مساراً تراكمياً: كتاب يقود إلى كتاب، وفكرة تتفرع من أخرى، وزمن يسمح بتكوين طبقات من الفهم. أما اليوم، فقد أصبحت التجربة أقرب إلى تدفق متقطع من النصوص والصور والمقاطع، تتداخل فيه المصادر دون ترتيب واضح، بحيث يغدو السؤال ليس: ماذا قرأ القارئ؟ بل: ماذا استطاع أن يحتفظ به بعد هذا التدفق؟
هذا التحول لا يرتبط بالأداة التقنية بقدر ما يرتبط بتحول أعمق في بنية الانتباه. فالعقل لم يعد يواجه ندرة في المعلومات، بل فائضاً متزامناً منها، ما يضعه في حالة اختيار دائم وسريع بين بدائل لا تنتهي. وفي مثل هذا السياق، لم تعد القيمة تقاس بما ينتجه النص من معرفة، بل بقدرته على البقاء داخل دائرة الانتباه ولو لوقت قصير.
ولتوضيح ذلك، يمكن ملاحظة سلوك القارئ المعاصر وهو ينتقل بين مقال طويل على منصة رقمية، وإشعارات هاتفه، ومقطع مرئي قصير يصل إليه في اللحظة نفسها. هنا لا تنافس النصوص النصوص فقط، بل تنافس كل ما يحيط بها من محفزات بصرية وصوتية ورسائل متدفقة، ما يجعل فعل القراءة ذاته تحت ضغط دائم.
هذا التحول لم يُلغِ القراءة، لكنه أعاد تعريفها. فالقراءة التي كانت تحتاج إلى زمن منفصل ومكان هادئ باتت اليوم ممارسة تتقاطع مع عشرات الأنشطة المتزامنة. وفي هذا التزاحم، لم تعد المشكلة في وجود النصوص الطويلة، بل في قدرتها على فرض زمنها الخاص على القارئ وإقناعه بالاستمرار داخلها.
والأخطر أن هذا التحول لا يحدث على هيئة قطيعة واضحة، بل عبر تراكم تدريجي يغيّر عادات التلقي دون أن يُلاحظ. ومع الوقت، يصبح الإيجاز معياراً جمالياً، والسرعة علامة كفاءة، بينما يُنظر إلى التمهّل بوصفه خروجاً عن الإيقاع العام للحياة.
غير أن اختزال هذه التحولات في ثنائية “الورقي والرقمي” لا يساعد كثيراً على فهم ما يجري. فكل تحول معرفي كبير في التاريخ أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة: من الكتابة إلى الطباعة، ومن الصحافة إلى البث المرئي. غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو كثافة التداخل بين مصادر المعرفة، وغياب مركز واضح ينظم إيقاعها أو يمنحها تسلسلاً مستقراً.
في هذا السياق، لا يعود التحدي إنتاج المعرفة، بل الحفاظ على شروط استقبالها. فالمعرفة التي لا تجد قارئاً قادراً على التمهّل أمامها تتحول إلى إشارة عابرة ضمن سلسلة طويلة من الإشارات التي لا تترك أثراً مستقراً.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر دقة: من يربّي الذائقة الثقافية اليوم؟
في السابق، كانت المدرسة والأسرة والمكتبة والصحافة والجامعة تشكل شبكة متكاملة في تكوين الحس الثقافي. أما اليوم، فقد دخلت وسائط جديدة إلى هذا المجال، واسعة التأثير، لكنها لا تعمل وفق منطق تربوي أو معرفي، بل وفق منطق الحركة والتفاعل السريع. فهي لا تقترح ما ينبغي قراءته بقدر ما تقترح ما يمكن استهلاكه فوراً.
وليس معنى ذلك أن الثقافة في تراجع، بل إنها تمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. فالمعرفة لم تعد شيئاً يُمتلك مرة واحدة، بل شيئاً يُنتقى باستمرار، والقراءة لم تعد فعلاً ثابتاً، بل ممارسة متقطعة تتغير أشكالها وسياقاتها.
وإذا كان من مثال يومي يوضح هذا التحول، فهو تجربة قارئ يبدأ قراءة مقال طويل، ثم ينتقل فجأة إلى إشعار جديد، ثم يعود بعد دقائق ليجد أنه فقد خيط الفكرة الأولى. هذه اللحظة الصغيرة تكشف كيف يُعاد تشكيل الانتباه في التفاصيل اليومية دون إعلان.
في النهاية، لا تبدو الأزمة في نقص المعرفة، بل في غياب آليات تساعد على تحويل هذا الفائض إلى فهم مستقر. فالقضية ليست في كثرة ما نقرأ، بل في ما يبقى بعد القراءة.
لهذا قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: ماذا نقرأ؟ بل: كيف نقرأ في عالم لا يمنح القراءة زمنها الكافي؟
حين يضعف هذا السؤال، لا تتراجع الثقافة فقط، بل تتراجع قدرتها على إنتاج وعي قادر على التمييز بين ما يمر وما يبقى، وبين ما يلمع للحظة وما يصنع أثراً في العمق.
