«الإعلام يتفاعل مع “مرايا الروح”… حين تتحول الأمسية الشعرية إلى سؤال مفتوح

في مساء شعري احتضنه النادي الثقافي العربي في الشارقة، لم تكن «مرايا الروح» مجرد أمسية شعرية عابرة، بل بدت حدثاً ثقافياً يتجاوز لحظته المباشرة، ليفتح مساحة أوسع من التلقي الإعلامي والنقدي، حيث تفاعلت أكثر من جهة صحفية مع النصوص المقدمة، وقرأت في التجربة امتداداً لأسئلة الوجود واللغة والمعنى.
لم يقتصر هذا التفاعل على التوثيق الإخباري، بل اتجه نحو قراءة التجربة بوصفها بنية فكرية وجمالية قابلة للتأويل، وهو ما منح الأمسية حضوراً مضاعفاً خارج فضائها المباشر. وقد برز هذا في التغطيات الصحفية، سواء في صحيفة الخليج أو مجلة البعد المفتوح أو موقع الشارقة 24، حيث جرى التعامل مع الحدث بوصفه حالة شعرية متعددة الطبقات، لا مجرد فعالية أدبية.
شارك في الأمسية الشعراء: ياسر دحي، حمزة اليوسف، أميرة توحيد، ومحمد المؤيد المجذوب، وأدارتها أمل صارم، بحضور الدكتور عمر عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة النادي، إلى جانب نخبة من المثقفين والأدباء ومحبي الشعر. وقد جاءت الفعالية ضمن سلسلة الأنشطة التي يواصل تنظيمها النادي الثقافي العربي لتعزيز الحضور الشعري وإتاحة منصات للتجارب الإبداعية المتنوعة.
القلق بوصفه مدخلاً إلى العالم
افتتح ياسر دحي القراءات بنصوص تنبني على توتر داخلي حاد بين الذات والعالم، حيث تتخذ اللغة لديه طابعاً استعارياً كثيفاً يعكس انقسام الرؤية. يقول:
«رئتي مليئةٌ بالرمل، لذلك أرى الوجود مرايا / رئتي مليئةٌ بالطين، لذلك أرى الوجود خطايا».
وقد توقفت تغطية صحيفة الخليج عند هذا البعد تحديداً، معتبرة أن النص يقوم على ثنائية الانكسار والانعكاس، وأن الشاعر يعيد تشكيل العالم بوصفه مرآة مشروخة للذات. ويزداد هذا التوتر حضوراً في قوله:
«أنا آدمُ الرحمن تارةً / وتارةً آدمُ الشظايا»،
حيث يتحول الإنسان إلى كائن منقسم بين صورة مثالية وأخرى متصدعة، في حضور دائم لسؤال الهوية والوجود.
الشعر بوصفه فعل رؤية
في المقابل، قدّم حمزة اليوسف تجربة مختلفة في مقاربتها للعالم، إذ بدا نصه مشغولاً بفكرة “الرؤية” بوصفها جوهر الشعر. يقول:
«العبقرية أن ترى ما لا يُرى / وأن تصير إلى خيالك دفتراً».
وقد أشارت مجلة البعد المفتوح في قراءتها للأمسية إلى أن نصوص اليوسف تقوم على تحويل الشعر إلى حركة إدراك مستمرة، لا إلى وصف ثابت، حيث تتكئ القصيدة على أفعال متتابعة تمنحها طابعاً ديناميكياً (تمرّ، تجسّ، تقتفي)، وكأنها رحلة بحث مفتوحة عن المعنى لا يكتمل.
من القلق إلى الطمأنينة
أما أميرة توحيد، فقدّمت خطاباً شعرياً يميل إلى السكينة الداخلية، ويستند إلى بعد صوفي واضح، حيث تتحول اللغة إلى مساحة للطمأنينة. تقول:
«لم أبلغ الماء حتى صرتَ لي سكناً / في غربة الروح كنتَ الحضن والوطنَا».

وقد قرأت التغطيات الإعلامية هذا النص بوصفه انتقالاً من التوتر إلى الهدوء، ومن السؤال إلى نوع من اليقين الوجداني، حيث يغلب المعجم الروحي (الروح، الحضن، الوطن، الأشواق) على بنية القصيدة، لتقترب من الابتهال الشعري أكثر من كونها مجرد تعبير عن تجربة ذاتية.
السرد بوصفه قناعاً للمعنى
في المقابل، قدّم محمد المؤيد المجذوب نصوصاً تمزج بين السرد والرمز، حيث تتداخل الحكاية مع التأمل في مصير الفن ذاته. يقول:
«هذا المدى المصقول ليس خشبةً / بل قبر عازفٍ قد فاته حظ القطيع».
وقد توقفت بعض القراءات عند هذا النص بوصفه مساءلة لموقع الفنان في العالم، حيث يتحول العزف إلى علامة على عزلة المبدع، لا على حضوره. وتتعزز هذه الرؤية حين تتشابك صور النجوم والعمائم والوجوه في فضاء شعري مفتوح على التأويل، يعكس توتراً بين الإبداع واللااعتراف.
الإعلام بوصفه قارئاً موازياً
اللافت في التغطيات التي تناولت الأمسية، سواء في صحيفة الخليج أو مجلة البعد المفتوح، أنها لم تكتف بالنقل الإخباري، بل مارست نوعاً من القراءة الموازية للنصوص، ما منح الحدث بعداً نقدياً إضافياً. فقد تحولت القصائد إلى مادة قابلة لإعادة التفكيك، وأصبح الإعلام شريكاً في إنتاج المعنى، لا مجرد ناقل له.
هذا التحول يعكس اتجاهاً متزايداً في التغطية الثقافية، حيث لم تعد الفعاليات الأدبية تُقرأ بوصفها أحداثاً منتهية، بل كبنى مفتوحة تتعدد زوايا النظر إليها، وتتجاوز لحظتها الزمنية المباشرة.
في المحصلة، تبدو «مرايا الروح» أكثر من أمسية شعرية تقليدية. فهي مساحة تتقاطع فيها الأصوات الشعرية مع قراءات إعلامية متعددة، لتنتج حالة ثقافية مفتوحة على التأويل. وبين قلق ياسر دحي، ورؤية حمزة اليوسف، وطمأنينة أميرة توحيد، وسرد محمد المؤيد المجذوب، تتشكل فسيفساء شعرية تعكس تنوع التجربة الشعرية المعاصرة.
وفي قلب هذا المشهد، يظل السؤال الذي لا يغلق: هل يفسر الشعر العالم، أم يعمّق غموضه؟
