النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار24 أبريل 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

“الكون وأناسي كثيرًا”: دلالات المشروع الموسوعي الجديد لـ سلطان القاسمي

“الكون وأناسي كثيرًا”: دلالات المشروع الموسوعي الجديد لـ سلطان القاسمي

في لحظة تتسع فيها أسئلة المعرفة وتتداخل فيها الحقول بين الديني والفلسفي والعلمي، يبرز مشروع موسوعي جديد يعيد فتح ملف البدايات الكبرى للوجود الإنساني والكوني، عبر مقاربة تجمع بين المرجعية القرآنية والمنهج التحليلي. ففي مشروعه الجديد “الكون وأناسي كثيرًا”، يقدّم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي رؤية فكرية واسعة تسعى إلى إعادة قراءة تاريخ الكون والإنسان ضمن إطار معرفي متماسك، يتجنب الروايات غير الموثوقة ويعيد ترتيب السرد التاريخي من منظور أكثر تركيبًا وعمقًا.

ويمتد هذا المشروع على نحو 100 مجلد، ما يجعله من أضخم الأعمال الموسوعية العربية المعاصرة من حيث الحجم والطموح المعرفي. ولا يقتصر الهدف على التوثيق أو الجمع، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء التصور العام لتاريخ الوجود، بدءًا من المراحل التي سبقت ظهور الإنسان، مرورًا ببدايات الخليقة، ووصولًا إلى قصص الأنبياء، ضمن رؤية تحاول الربط بين النص الديني والتحليل المعرفي، بعيدًا عن التعدد والتناقض في الروايات التقليدية.

ويعتمد المشروع على قراءة تحليلية للنص القرآني بوصفه مرجعًا معرفيًا مركزيًا، مع السعي إلى تقديم تصور متكامل لتاريخ الإنسان والكون يوازن بين الإيمان والمنهج العلمي. ومن هذا المنطلق، يطرح العمل مقاربة تتجاوز الفصل الحاد بين المجالين، عبر محاولة بناء سردية أكثر اتساقًا وتنظيمًا لتاريخ الإنسان، تستند إلى رؤية معرفية شاملة لا تكتفي بالتجميع، بل تسعى إلى التفسير والتركيب.

ويرى متابعون أن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في حجمه الموسوعي، بل في الأسئلة التي يفتحها حول طبيعة كتابة التاريخ في الثقافة العربية، وحدود العلاقة بين النص الديني والسرد التاريخي، خصوصًا في ظل تعدد المصادر وتباين الروايات. ومن هنا، يكتسب العمل بعدًا فكريًا يتجاوز الإطار التوثيقي، ليصبح مساهمة في النقاش الأوسع حول إنتاج المعرفة وإعادة بنائها في السياق العربي المعاصر.

كما يُنتظر أن يسهم المشروع في إثراء المكتبة العربية، لا سيما في مجال الدراسات الموسوعية التي تتناول تاريخ الكون والإنسان من منظور عربي وإسلامي حديث، وهي مساحة ما تزال بحاجة إلى أعمال مرجعية تجمع بين العمق والوضوح، وتخاطب في الوقت نفسه الباحث والقارئ العام. ويأتي هذا الطموح في سياق محاولة تقديم نموذج معرفي قادر على الجمع بين الدقة العلمية والمرجعية الثقافية دون الوقوع في التبسيط أو التكرار.

ولا يمكن فصل هذا المشروع عن المسار الثقافي الذي تتبناه إمارة الشارقة منذ عقود، حيث رسّخت موقعها كمركز فاعل في دعم الإنتاج الثقافي والمعرفي في المنطقة، من خلال رعاية المشاريع الفكرية الكبرى التي تسعى إلى تطوير الخطاب الثقافي العربي وتعزيز حضوره. ويأتي هذا المشروع امتدادًا لذلك التوجه، بوصفه استثمارًا طويل المدى في المعرفة باعتبارها أداة لبناء الوعي وتطوير الإنسان.

وفي ظل التحولات المتسارعة في طرق إنتاج المعرفة وتداولها، تبرز الحاجة إلى إعادة تقديم السرديات الكبرى بصورة أكثر دقة ووضوحًا، خاصة في ظل البيئة الرقمية التي أصبحت المصدر الأول للمعرفة لدى الأجيال الجديدة. ومن هذا المنظور، يطرح المشروع نفسه بوصفه محاولة للإجابة عن هذه التحديات، عبر تقديم محتوى موسوعي شامل يستند إلى منهجية واضحة ورؤية معرفية متماسكة.

كما يفتح المشروع نقاشًا أوسع حول كيفية التوفيق بين المرجعية الدينية والانفتاح على المناهج العلمية الحديثة، وهو إشكال ظل حاضرًا في كثير من محاولات كتابة التاريخ في السياق العربي والإسلامي. ويبدو أن هذا العمل يسعى إلى تجاوز هذا التحدي عبر تقديم مقاربة تجمع بين البعدين دون الإخلال بخصوصية أي منهما.

وفي المحصلة، يمكن النظر إلى “الكون وأناسي كثيرًا” بوصفه مشروعًا معرفيًا طموحًا يعيد طرح أسئلة البدايات والوجود والتاريخ ضمن رؤية تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتفتح المجال أمام إعادة التفكير في كثير من المسلّمات المرتبطة بالسرد التاريخي والديني، بما قد يمنحه موقعًا بارزًا في خارطة المشاريع الثقافية العربية خلال السنوات المقبلة.

الشارقة – محمد فال معاوية

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.