«رجل وجبل» لحسن شريف.. حين يتحول الإنسان إلى رمز للتسامي والاغتراب

في سلسلة أعماله «رجل وجبل» التي أنجزها خلال عامي 2008 و2009، يواصل الفنان الإماراتي الراحل حسن شريف مشروعه البصري القائم على التجريد الهندسي وإعادة تفكيك العلاقة بين الإنسان ومحيطه، من خلال مقاربة فنية تعالج قضايا الوجود والاغتراب والتحولات الاجتماعية المتسارعة في العالم المعاصر.
وتستكشف هذه السلسلة، عبر ألوان جريئة وبنية تشكيلية غير تقليدية، موقع الإنسان الفرد في مواجهة الطبيعة والبيئة والذات، ضمن رؤية فنية تتجاوز الشكل إلى العمق الفلسفي والرمزي في آن واحد. وتأتي لوحة «رجل وجبل» رقم (4) ضمن أبرز أعمال هذه المجموعة، وهي تنفيذ بزيت على القماش، يظهر فيها جسد رجل أبيض اللون في وضعية انسيابية فوق جبال متعددة الألوان، وكأنه في حالة طفو أو تحرر من ثقل الجاذبية الأرضية.
وتعكس هذه الوضعية، بحسب قراءة نقدية للعمل، دلالات تتراوح بين التسامي الروحي والتحرر من القيود المادية، حيث يقدّم شريف الإنسان ككائن وجودي مفتوح على التأويل، يتجاوز حدود الانتماء الطبقي أو العرقي، ليصبح علامة بصرية على صفاء الجوهر الإنساني.
وتبرز في اللوحة ثنائية لونية لافتة بين جسد الرجل الأبيض وخلفية الجبال المتعددة الألوان، ما يمنح العمل بعدًا بصريًا وفلسفيًا في آن واحد، إذ يتحول اللون الأبيض إلى مساحة هدوء وسط صخب بصري كثيف، ورمز للصفاء في مواجهة تشظي العالم المعاصر.
وفي هذا السياق، تشير قراءة منشورة في صحيفة «الخليج» إلى أن أعمال حسن شريف تنطوي على حس نقدي وتأملي حاد، يسلّط الضوء على التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة في منطقة الخليج والعالم، ويعيد مساءلة علاقة الإنسان بمحيطه في ظل هذه التغيرات العميقة.
كما تعتمد اللوحة على تكرار بصري قائم على ضربات فرشاة كثيفة تشبه النمط الشبكي أو البكسلي، ما يضفي على الجبال طابعًا حركيًا يوحي بعدم الثبات، وكأن الطبيعة نفسها في حالة تحوّل دائم. وفي المقابل، يكسر الجسد البشري هذا الإيقاع البصري بخطوطه الانسيابية، ليخلق توازنًا بين السكون والحركة، وبين النظام والحرية.
ويُقرأ العمل في مجمله كدعوة للتأمل في موقع الإنسان داخل عالم متغير، حيث لا يبدو الجبل كتكوين صامت، بل ككيان نابض بالطاقة، فيما يظهر الإنسان بوصفه كائنًا قادرًا على التكيف والطفو فوق ضجيج التحولات، دون أن يفقد فردانيته أو صفاءه الرمزي.
بهذه اللغة البصرية المركبة، يقدّم حسن شريف رؤية فنية تتقاطع فيها البساطة الشكلية مع العمق الفكري، ليصبح العمل مساحة مفتوحة للتأويل، وسؤالًا بصريًا عن معنى الإنسان في زمن التحول المستمر.
