البودكاست.. هل أصبح الشريك الجديد للكتاب في صناعة الثقافة؟

في عام 1906، جلس البشر للمرة الأولى مبهورين أمام صوتٍ يعبر الأثير عبر أول تجربة بث إذاعي لاسلكي في التاريخ، قبل أن يشهد العالم عام 1936 انطلاق أول بث تلفزيوني منتظم عبر هيئة الإذاعة البريطانية، لتبدأ مرحلة جديدة غيّرت علاقة الإنسان بالصوت والصورة والمعرفة. لكن التحول الأعمق جاء مع ظهور الإنترنت في ثمانينيات القرن الماضي، حين خرجت الثقافة من حدود الورق والاستوديوهات إلى الفضاء الرقمي المفتوح، فتبدلت طرق إنتاج المحتوى وتداوله، وظهرت الكتب الإلكترونية والتخزين السحابي ومنصات البث الحديثة، وصولاً إلى «البودكاست» الذي تحوّل خلال سنوات قليلة من مجرد تسجيلات صوتية بسيطة إلى ظاهرة ثقافية تنافس الصحافة والإذاعة والتلفزيون في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبح البودكاست واحداً من أكثر أشكال الإعلام الرقمي تأثيراً وانتشاراً، خصوصاً في العالم العربي الذي يشهد طفرة متسارعة في إنتاج المحتوى الصوتي واستهلاكه. هذا الصعود اللافت دفع كثيرين إلى التساؤل: هل أصبح البودكاست مصدراً لثقافة جديدة تنافس الكتاب، أم أنه مجرد وسيط حديث يعيد تشكيل طرق تلقي المعرفة؟
ارتبط ظهور البودكاست عالمياً بصعود الجيل الثاني من الإنترنت، وإمكانية نشر برامج صوتية رقمية تُستمع عند الطلب بعيداً عن قيود البث الإذاعي التقليدي، في تحول نقل الصوت من موجات الأثير إلى المنصات الرقمية الشخصية الموجودة في يد كل مستخدم تقريباً، بحسب تقرير نشرته صحيفة الخليج.
ومع العقد الثاني من الألفية الجديدة، ترسّخ البودكاست كصناعة إعلامية وثقافية قائمة بذاتها، بعدما ارتفعت أعداد مستمعيه حول العالم إلى مئات الملايين، وسط توقعات بتجاوز نصف مليار مستمع خلال سنوات قليلة. ولم يبق هذا النمو حكراً على الغرب، بل وجد طريقه سريعاً إلى المنطقة العربية، مدفوعاً بالانتشار الواسع للهواتف الذكية، وتراجع كلفة إنتاج المحتوى، وتزايد حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي، ما فتح الباب أمام جيل جديد من المنصات والمبدعين الذين أعادوا تقديم المعرفة والحكاية والتحليل بأسلوب أكثر قرباً من الجمهور وإيقاع العصر.
صناعة عربية تتوسع بلا دراسات كافية
يمكن وصف البودكاست العربي بأنه «صناعة ناشئة» لا تزال في طور التشكّل، رغم اتساع رقعة انتشاره. المفارقة أن هذا الحضور المتنامي لا يقابله اهتمام بحثي كافٍ، إذ تبدو الدراسات العربية المتخصصة في البودكاست محدودة للغاية مقارنة بحجم الدراسات العالمية حول الظاهرة.
وتشير إحصاءات تضمنها تقرير لجامعة «نورث ويسترن» إلى أن نحو ثلاثة من كل عشرة عرب يستمعون إلى البودكاست، فيما تمثل الفئة الشبابية النسبة الأعلى من المتابعين، خاصة بين الأعمار الأصغر سناً. كما تسجل دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، حضوراً لافتاً في معدلات البحث عن مصطلح «بودكاست»، ما يعكس الثقل المتزايد للمنطقة في هذا المجال.
ورغم هذا الانتشار، لا تزال الأبحاث التي ترصد أبعاد الظاهرة وتأثيرها الثقافي محدودة، إذ يتركز معظم ما يُنشر حول البودكاست في تقارير إعلامية أو دراسات متفرقة تصدر عن مؤسسات متخصصة بالإعلام الرقمي.
البودكاست وإحياء ثقافة الحكاية
السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بانتشار البودكاست، بل بما يقدمه فعلياً على مستوى الثقافة والمعرفة.
وفي هذا السياق، تكشف دراسة صادرة عن «نادي دبي للصحافة» بعنوان «حال صناعة البودكاست في الوطن العربي» أن كثيراً من صناع المحتوى ينظرون إلى البودكاست بوصفه فناً قائماً على السرد القصصي والمعرفي، يهدف إلى تقديم قيمة مضافة بلغة قريبة من الجمهور.
هذه الفكرة تعيد إلى الواجهة الإرث العربي القديم المرتبط بالرواية الشفهية، حين كانت المجالس والأسواق والمنتديات فضاءات أساسية لنقل المعرفة والثقافة قبل هيمنة النص المكتوب.
ومن هنا، يمكن فهم البعد الثقافي للبودكاست العربي، الذي توسع من البرامج الحوارية العامة إلى مساحات أكثر تخصصاً تشمل التاريخ والفلسفة والنقد الأدبي والسرد القصصي والبرامج الوثائقية الصوتية، التي تعيد قراءة الأحداث والشخصيات بلغة مبسطة تجعل المعرفة أكثر قرباً من الجمهور غير المتخصص.
لغة أقرب إلى الناس
واحدة من أهم نقاط قوة البودكاست العربي تكمن في لغة الخطاب. فبحسب تقرير «نادي دبي للصحافة»، يفضل نحو 78% من المستمعين المحتوى المقدم باللهجات المحلية على المحتوى الفصيح.
هذا التحول لا يعني تراجع العربية الفصحى، بل يعكس قدرة البودكاست على كسر الحواجز التقليدية للخطاب الثقافي النخبوي، وإعادة تقديم موضوعات الهوية والذاكرة والثقافة المجتمعية بلغة الحياة اليومية، بما يوسع دائرة التلقي ويجعل الثقافة أقرب إلى الناس.
كما أن البودكاست يملك ميزة عملية يصعب أن ينافسه فيها الكتاب، إذ يمكن الاستماع إليه أثناء القيادة أو ممارسة الرياضة أو أداء الأعمال اليومية، ما يحوّل أوقات الفراغ إلى مساحة لاستهلاك المعرفة.
وفي المقابل، يحتاج الكتاب إلى وقت مخصص وتركيز كامل، وهو ما يجعل البودكاست أكثر قدرة على التسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية وبناء عادة استماع مستمرة لدى الجمهور.
هل ينافس الكتاب فعلاً؟
ورغم هذا الصعود الكبير، لا يبدو أن البودكاست قادر على إلغاء دور الكتاب أو الحلول مكانه بالكامل.
فالكتاب لا يزال يحتفظ بتفوق واضح على مستوى العمق المعرفي والتوثيق والتراكم الفكري، إذ يصعب على حلقة صوتية مدتها ساعة أن تقدم ما يقدمه كتاب بحثي أو فكري متكامل.
لكن في المقابل، أصبح البودكاست منافساً حقيقياً للكتاب في «المجال العام»، خاصة على مستوى الزمن وسهولة الوصول. كما أن كثيراً من برامج البودكاست تقوم أساساً على تلخيص الكتب أو مناقشتها واستضافة مؤلفيها، ما يجعلها جسراً يعيد توجيه المستمع نحو القراءة، أو يمنحه على الأقل خريطة ذهنية تساعده على فهم النصوص لاحقاً.
التكنولوجيا صنعت الظاهرة
انتشار البودكاست في العالم العربي لم يكن منفصلاً عن التحولات التقنية والاجتماعية والثقافية.
فالهواتف الذكية ومنصات البث مثل «يوتيوب» وغيرها، سهّلت الوصول إلى آلاف الحلقات بضغطة واحدة، بينما أسهم انخفاض كلفة الإنتاج في ظهور موجة واسعة من «المنتجين الأفراد»، الذين باتوا قادرين على صناعة محتوى شبه احترافي بإمكانات محدودة.
ومن الناحية الاجتماعية، جاء البودكاست بعد مرحلة طويلة من التشبع بالمحتوى المرئي، ليقدم تجربة مختلفة تقوم على الإنصات والتأمل والعودة إلى قوة الصوت.
أما ثقافياً، فقد أعاد الاعتبار لفكرة السرد الشفهي التي كانت جزءاً أصيلاً من الثقافة العربية، وهو ما يفسر انجذاب كثير من المستمعين إلى البرامج التي تستعيد التاريخ والهوية والذاكرة الشعبية.
التمويل.. التحدي الأكبر
ورغم النمو السريع، لا تزال صناعة البودكاست العربي تواجه تحديات حقيقية، أبرزها التمويل وتحقيق الدخل.
فبحسب تقارير متخصصة، يرى نحو 75% من صناع المحتوى أن الرعاية والإعلانات تمثل العقبة الأكبر أمام استمرار الصناعة وتطورها، رغم أن بعض البرامج الناجحة، خاصة في الخليج، بدأت في بناء نماذج اقتصادية تعتمد على الإعلانات أو الاشتراكات أو الشراكات مع المنصات الرقمية.
وفي هذا السياق، برزت قمة «دبي بودفست» كأحد أبرز الملتقيات العربية المتخصصة في صناعة البودكاست، حيث تجمع صناع المحتوى والمنصات والشركات الراعية والمؤسسات الإعلامية تحت سقف واحد، بهدف تطوير معايير الجودة، وخلق فرص تمويل، وبناء مجتمع مهني عربي قادر على تحويل البودكاست إلى قطاع إعلامي مؤثر اقتصادياً وثقافياً.
مستقبل القراءة في زمن الصوت
في النهاية، لا يبدو أن المعركة بين البودكاست والكتاب هي معركة إلغاء بقدر ما هي إعادة توزيع للأدوار.
فالبودكاست ينجح اليوم في كسب «معركة الزمن» عبر قدرته على مرافقة الإنسان في حياته اليومية، بينما يحتفظ الكتاب بمكانته بوصفه الوعاء الأعمق للمعرفة والتفكير والتحليل.
وربما تكمن أهمية البودكاست الحقيقية في أنه وسّع دائرة الثقافة، ووصل إلى جمهور لم تكن الكتب تصل إليه بسهولة، ليصبح شريكاً جديداً في صناعة القارئ والمستمع معاً، في زمن تتغير فيه طرق المعرفة بسرعة غير مسبوقة.
