الشارقة.. كيف تحمي الثقافة العربية من الذوبان في الحداثة؟

في عالمٍ تتشابه فيه المدن بوتيرة متسارعة تحت ضغط العولمة، وتذوب فيه الخصوصيات الثقافية أمام موجات الحداثة المتلاحقة، تبدو الشارقة وكأنها تخوض معركة مختلفة؛ معركة لا تهدف إلى مقاومة التطور، بل إلى إعادة تشكيله بطريقة تحفظ الذاكرة وتمنح المستقبل ملامح أكثر إنسانية. هنا لا يُنظر إلى التراث باعتباره بقايا من الماضي أو مادة للحنين، بل بوصفه روحًا حيّة قادرة على التجدد دون أن تفقد جوهرها.
منذ سنوات طويلة، اختارت الإمارة أن تسلك طريقًا مغايرًا للصورة النمطية المرتبطة بالمدن الخليجية الحديثة، حيث طغت الأبراج الزجاجية وإيقاع الاستهلاك السريع على المشهد العمراني والثقافي. وبينما اندفعت مدن كثيرة نحو الحداثة باعتبارها قطيعة مع الماضي، سعت الشارقة إلى بناء معادلة أكثر توازنًا: كيف يمكن للمدينة أن تكون حديثة ومنفتحة على العالم، من دون أن تفقد هويتها الثقافية الخاصة؟

هذا السؤال لم يبقَ نظريًا، بل تحوّل إلى مشروع ثقافي متكامل انعكس في العمارة والتعليم والفنون والفضاء العام. ففي مشروع “قلب الشارقة”، جرى ترميم الأحياء التاريخية والأسواق القديمة بروح تحافظ على هوية المكان من دون أن تحوله إلى مجرد ديكور سياحي جامد. هناك، لا تبدو الأزقة القديمة وكأنها تستدعي الماضي فقط، بل تعيد تقديمه ضمن رؤية معاصرة تجعل التراث جزءًا من الحياة اليومية.
يكفي أن يمر الزائر في تلك الممرات الحجرية الضيقة، أو أن يتأمل أبواب البيوت القديمة ورائحة الخشب العتيق المختلطة بندى البحر، حتى يدرك أن المكان لا يحاول استنساخ الماضي، بل إبقاءه حيًا داخل الحاضر. وهذا ما يمنح التجربة الثقافية في الشارقة خصوصيتها؛ فهي لا تعرض التراث باعتباره مشهدًا متحفيًا صامتًا، بل باعتباره جزءًا من ذاكرة الناس وتفاصيل حياتهم اليومية.
ولعل ما يميز التجربة الثقافية في الإمارة أنها لم تكتفِ بحماية التراث المادي، بل أولت اهتمامًا واضحًا بالتراث غير المادي أيضًا؛ بالحكايات الشعبية، وفنون البحر، والخط العربي، واللغة، والعادات الاجتماعية التي تشكل الذاكرة الجمعية للمجتمع. ففي زمن يتجه فيه العالم نحو أنماط ثقافية متشابهة، تدرك الشارقة أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اختفاء المباني القديمة، بل في ضياع المعاني التي تمنح المكان روحه.

وفي المقابل، لم يتحول هذا التمسك بالجذور إلى حالة من الانغلاق أو الخوف من الجديد. على العكس، استطاعت الإمارة أن تجعل الثقافة جسرًا للحوار مع العالم. فمن خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب، وبينالي الشارقة، ومشاريع الترجمة والفنون والمسرح، قدمت نموذجًا لمدينة عربية تنخرط في الحداثة من موقع الشريك الثقافي، لا من موقع التابع.
وقد لعبت المؤسسات الثقافية والتعليمية دورًا محوريًا في هذا المسار؛ إذ لم تُقدَّم الثقافة باعتبارها ترفًا نخبويًا، بل كجزء من مشروع تنموي طويل الأمد. فالاستثمار في الكتاب، والمتاحف، والمسرح، والطفل، والمعرفة عمومًا، كان استثمارًا في الوعي ذاته. وربما لهذا تبدو الشارقة أقل انشغالًا بفكرة “المدينة المبهرة”، وأكثر اهتمامًا بفكرة “المدينة التي تفكر”.
وفي وقت تواجه فيه الهوية الثقافية العربية تحديات متزايدة، من هيمنة المحتوى السريع إلى تراجع القراءة وتحولات الذائقة العامة، تبدو تجربة الشارقة محاولة جادة لإعادة تعريف العلاقة بين الأصالة والمعاصرة. فهي لا تقدم التراث بوصفه عبئًا على التقدم، ولا الحداثة بوصفها نفيًا للماضي، بل تسعى إلى بناء مساحة يلتقي فيها الاثنان ضمن علاقة تكامل لا صراع.

وربما تكمن أهمية هذه التجربة في إدراكها أن المدن لا تُقاس فقط بحجم عمرانها أو قوة اقتصادها، بل بقدرتها على إنتاج معنى ثقافي يستمر عبر الزمن. فالمدن التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر هشاشة، مهما بلغت من الثراء والتطور التقني. أما المدن التي تعرف كيف تصالح بين جذورها وتحولاتها، فهي وحدها القادرة على بناء مستقبل لا يشعر فيه الإنسان بالاقتلاع أو الغربة داخل مدينته.
في النهاية، تبدو الشارقة وكأنها تطرح سؤالًا عربيًا يتجاوز حدودها الجغرافية: هل يمكن للعالم العربي أن يدخل الحداثة من دون أن يفقد روحه؟ وبين ضجيج التحولات المتسارعة، تقدم الإمارة إجابة هادئة لكنها عميقة؛ مفادها أن الثقافة ليست بقايا الماضي، بل الطريقة التي نحمل بها هذا الماضي معنا نحو المستقبل.
الشارقة – محمد فال معاوية
النادي الثقافي العربي - الشارقة
باحث متخصص في الشأن الثقافي العربي ومهتم بتوثيق المشهد الأدبي في الشارقة. يساهم بانتظام في مجلة الكلمة.
عرض المزيد من مقالات الكاتب