سعيد الهرش: المسرح يخسر وهج الممثل أمام سطوة التكنولوجيا

تشهد الساحة المسرحية العربية والعالمية في السنوات الأخيرة جدلاً متصاعداً حول التحولات التي أصابت العرض المسرحي الحديث، بعدما أصبحت التكنولوجيا والسينوغرافيا والمؤثرات البصرية عناصر مهيمنة في كثير من الأعمال، إلى درجة دفعت بعض النقاد والمسرحيين إلى التحذير من تراجع حضور الممثل وتهميش الكلمة والأداء الحي، بوصفهما جوهر الفن المسرحي وروحه الأولى.
وفي هذا السياق، أكد المسرحي الإماراتي سعيد الهرش أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا داخل العروض أضر بالممثل وأفقده الكثير من مساحته التعبيرية، محذراً من تحوّل بعض العروض إلى ما يشبه السينما أكثر من كونها مسرحاً حقيقياً.
وفي حديث لصحيفة الخليج، أوضح الهرش أن عدداً من العروض الحديثة بات يعتمد بصورة مبالغ فيها على الإبهار البصري، من خلال الشاشات التفاعلية والإضاءة الكثيفة والسينوغرافيا المعقدة، الأمر الذي جعل الخشبة مساحة للاستعراض التقني على حساب الأداء الإنساني المباشر، وهو ما أدى إلى تراجع دور الممثل الذي ظل عبر التاريخ العنصر الأهم في تشكيل العلاقة الروحية بين العرض والجمهور.
ويرى الهرش أن بعض الأعمال التجريبية والحديثة حولت الممثل إلى مجرد عنصر ضمن التكوين البصري والحركي، بعدما أصبح الاهتمام الأكبر منصباً على المؤثرات والزخارف، بينما تراجعت أهمية الصوت والتقمص والانفعال الحي، وهي الأدوات الأساسية التي يقوم عليها الأداء المسرحي الحقيقي. وأشار إلى أن هذا النوع من العروض يفقد المسرح خصوصيته، ويجعل التجربة أقرب إلى الصورة السينمائية منها إلى الفن المسرحي القائم على الحضور الإنساني المباشر.
وأكد أن المخرج الناجح هو من يمتلك القدرة على خلق التوازن بين جميع عناصر العرض، بحيث لا تطغى التكنولوجيا على التمثيل، ولا تتحول السينوغرافيا إلى غاية بحد ذاتها، بل تكون أداة داعمة للفكرة والرؤية الفنية. ولفت إلى أن بعض المخرجين يسعون إلى استعراض قدراتهم التقنية بصورة مبالغ فيها، فينتجون عروضاً غنية بالمؤثرات لكنها فقيرة درامياً وإنسانياً، لأن التركيز ينصرف إلى الزخرفة البصرية بدلاً من بناء حالة مسرحية متكاملة.
وشدد الهرش على أن العلاقة بين المخرج والممثل يجب أن تقوم على الاحترام والثقة ومنح الممثل مساحته الكاملة للإبداع، موضحاً أن المشكلة في بعض التجارب الحديثة تكمن في رغبة المخرج في السيطرة على كل تفاصيل العرض، ما يؤدي إلى إلغاء شخصية الممثل وتحويله إلى منفذ بصري داخل لوحة ضخمة تسيطر عليها التقنيات. وأضاف أن هذا التوجه يخلّ ببنية العرض المسرحي ويضعف تأثيره، لأن المسرح في جوهره قائم على الإنسان قبل أي شيء آخر.
وأشار إلى أن بناء عرض مسرحي ناجح يحتاج إلى ذكاء فني ورؤية واعية في توظيف جميع المفردات المسرحية، من تمثيل وإخراج وديكور وإضاءة وموسيقى وسينوغرافيا، مؤكداً أن قيمة أي عرض لا تقاس بحجم الإنفاق أو كثافة المؤثرات، بل بقدرته على البقاء في ذاكرة الجمهور. وأضاف أن بعض العروض الحديثة تبدو وكأنها تحاول تقليد السينما عبر الصورة المبهرة والحركة السريعة، إلا أن المسرح يمتلك لغته الخاصة التي يجب الحفاظ عليها وعدم التضحية بها لصالح الإبهار المجرد.
وأوضح الهرش أن الإفراط في الإضاءة والمؤثرات البصرية يؤدي أحياناً إلى تشتيت الممثل والجمهور معاً، كما أن استخدام قطع ديكور ضخمة بلا مبررات درامية واضحة يربك العرض بدلاً من أن يخدمه. وقال إن السينوغرافيا الحقيقية ليست في حجم الديكور أو تعقيده، بل في مدى انسجامه مع الفكرة وقدرته على تعميق الدلالة المسرحية.
وفي حديثه عن أهمية الورش المسرحية، أشاد الهرش بالدور الذي تؤديه التظاهرات الفنية المتخصصة في رفع الوعي بعناصر العرض المسرحي، مستشهداً بـ مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة الذي وصفه بأنه مختبر حقيقي لتعليم المشاركين كيفية التعامل مع التمثيل والسينوغرافيا والتكنولوجيا بصورة صحيحة ومتوازنة. وأكد أن مثل هذه الفعاليات تساهم في تكوين جيل مسرحي أكثر وعياً بأهمية الفكرة وبخطورة الانجراف وراء البهرجة الشكلية.
وبيّن الهرش أن التكنولوجيا ليست عدواً للمسرح في حد ذاتها، بل يمكن أن تكون إضافة جمالية وفكرية مهمة إذا تم توظيفها بذكاء ووعي، بحيث تساعد في إبراز مشاعر الممثل وتوسيع آفاق الخيال المسرحي، لا أن تتحول إلى عنصر يطغى على الإنسان. وأوضح أن التقنيات الحديثة تمنح الممثل فضاءات تعبيرية جديدة، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بديل عن الأداء الحقيقي.
وأكد أن المسرح يستطيع أن يُقام بديكور بسيط أو حتى من دون إضاءة معقدة، لكنه لا يمكن أن يوجد من دون ممثل وجمهور، لأن العلاقة الحية بين الطرفين هي جوهر العملية المسرحية وأساس تأثيرها. ومن هنا، يرى أن ما يُعرف بـ«المسرح الفقير» لا يعني الفقر البصري أو التقني، بل الانتصار للجوهر على حساب المظهر، والتركيز على الفكرة والأداء بدلاً من الاستعراض الشكلي.
وأضاف أن بعض المخرجين ينجحون أحياناً في تقديم عروض مؤثرة باستخدام عناصر بسيطة للغاية، بينما تفشل أعمال أخرى رغم ضخامة إنتاجها بسبب غياب الرؤية الفنية الواضحة. لذلك، فإن نجاح أي عرض يعتمد أولاً على قوة الفكرة وصدق المعالجة وقدرة الممثل على نقل الإحساس إلى الجمهور، لا على حجم المؤثرات المستخدمة.
واختتم الهرش حديثه بالتأكيد على أن المسرح الحقيقي لا يقوم على الإبهار وحده، بل على الإبداع القادر على تقديم رؤية إنسانية وفكرية عميقة، مشيراً إلى أن التكنولوجيا حين تُستخدم بوعي تصبح جزءاً من جماليات العرض، أما عندما تتحول إلى غاية مستقلة فإنها تسرق وهج الممثل وتُضعف روح المسرح نفسها.
