«رحلة في ذاكرة الحرب»… حنان سليمان تروي البوسنة بأدب الرحلة

تواصل الكاتبة والصحافية المصرية حنان سليمان استكشاف العلاقة بين الأدب والذاكرة الإنسانية في كتابها «رحلة في ذاكرة الحرب»، الذي يوثق رحلتها إلى البوسنة والهرسك، مقدمةً تجربة تنتمي إلى أدب الرحلة، لكنها تتجاوز الوصف التقليدي للأماكن لتغوص في آثار الحرب والإبادة الجماعية، وكيف نجح المجتمع البوسني في تحويل مأساته إلى ذاكرة ثقافية حية عبر المتاحف والرموز والفنون والأدب.
وذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» أن الكتاب، الصادر عن دار «كتوبيا» للنشر في القاهرة، ينطلق من ذاكرة شخصية تعود إلى طفولة الكاتبة، حين تابعت عبر شاشة التلفزيون أخبار حرب البوسنة، قبل أن يقودها هذا الفضول بعد سنوات إلى المشاركة في جامعة سريبرينيتسا الصيفية، التي تجمع باحثين وطلاباً من مختلف دول العالم لاستكشاف تاريخ البوسنة، وزيارة مواقعها التاريخية، والاطلاع على تجارب الناجين والمهتمين بحفظ الذاكرة.
وترصد سليمان في كتابها المفارقة بين الطبيعة الساحرة التي تتمتع بها البوسنة، بما تضمه من جبال وأنهار وشلالات، وبين حضور ذاكرة الحرب بوصفها العلامة الأكثر رسوخاً في الوعي العالمي، مؤكدة أن آثار الإبادة الجماعية لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الفضاء العام الذي احتفظ بعلامات القصف والدمار باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية.

ويتوقف الكتاب عند الدور الذي تؤديه جامعة سريبرينيتسا الصيفية في إحياء ذكرى ضحايا مجزرة عام 1995، من خلال تنظيم «مسيرة السلام» السنوية التي يسير فيها المشاركون على خطى آلاف المدنيين الذين فروا من الموت، كما يناقش تأثير تراجع الدعم المالي للمؤسسات الثقافية المعنية بحفظ الذاكرة، وما يمثله ذلك من تهديد لاستمرار رسالتها.
ويخصص الكتاب مساحة واسعة للرموز البصرية التي ابتكرها البوسنيون لمقاومة النسيان، مثل «زهور سراييفو» التي تشكلت من آثار القذائف في الشوارع، و**«وردة سريبرينيتسا»** التي أصبحت رمزاً لتخليد ضحايا الإبادة الجماعية، في دلالة على قدرة الفن والثقافة على تحويل الألم إلى ذاكرة جماعية وهوية إنسانية.
كما تتناول الكاتبة طبيعة المجتمع البوسني بعد الحرب، وعلاقته بالهوية والانتماء، متوقفة عند القوانين المنظمة للجنسية، والتوازنات الدينية والثقافية التي تشكل المجتمع، في محاولة لفهم انعكاسات الحرب على البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد.
ولا يكتفي الكتاب برصد المشاهد الميدانية، بل يربطها بالأدب، إذ تستعرض سليمان عدداً من الروايات البوسنية، وتشير إلى محدودية حضورها في الترجمة العربية، كما تقارنها بأعمال عربية تناولت حرب البلقان، مؤكدة أن الرواية قادرة على حفظ المشاعر الإنسانية والأسئلة التي تعجز الوثائق التاريخية عن نقلها.
ويختتم الكتاب بطرح تساؤلات حول محدودية الدعم العربي للمبادرات الثقافية التي تعنى بحفظ ذاكرة الإبادة الجماعية، مشدداً على أن الثقافة والأدب يمثلان أحد أهم أدوات مقاومة النسيان، وصون الذاكرة الإنسانية للأجيال المقبلة.
