النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار25 يوليو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

قبس من ذاكرة العربية.. كيف يحفظ المعجم التاريخي سيرة الأمة؟

قبس من ذاكرة العربية.. كيف يحفظ المعجم التاريخي سيرة الأمة؟

ليست اللغة مجرد مفردات تُرتَّب في المعاجم، بل هي سجلٌّ حيٌّ لذاكرة الأمم، يحفظ تاريخها، ويعكس تحولات ثقافتها، ويروي تفاصيل حياتها عبر العصور. ومن هذا المنطلق يبرز المعجم التاريخي للغة العربية بوصفه مشروعاً حضارياً يوثق رحلة الكلمة العربية منذ أول ظهور لها، متتبعاً تطورها الدلالي واستعمالاتها في القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر، والنثر، والأمثال، وسائر النصوص التي شكّلت الوعي العربي.

ويكشف هذا المشروع العلمي أن الكلمة العربية ليست وحدة لغوية جامدة، وإنما كائن حي يرافق الإنسان في مسيرته الحضارية، ويتطور بتطور الحياة، محتفظاً بجذوره الأولى، ومضيفاً إليها دلالات جديدة عبر الزمن.

وعندما يطالع القارئ صفحات المعجم التاريخي، فإنه لا يقرأ ألفاظاً فحسب، بل يشاهد التاريخ العربي نابضاً بالحياة؛ فيرى ملامح المجتمع، ويستكشف منظومة القيم، ويتتبع طرائق التفكير والتعبير، في تجربة معرفية تتجاوز حدود اللغة إلى رحابة الحضارة.

وفي هذه الإطلالة، المستندة إلى ما نشرته صحيفة الخليج عن مادة المعجم التاريخي للغة العربية، نستعرض ثلاثة جذور لغوية تكشف جانباً من ثراء العربية واتساع آفاقها الدلالية.

«رجع»… من العودة إلى المصير

يُعد الجذر «رجع» من أكثر الجذور العربية ثراءً واتساعاً في الدلالة، إذ يدور معناه الأصلي حول العودة والارتداد والتكرار، ومنها تفرعت عشرات المعاني والاستعمالات التي بقيت حاضرة في العربية حتى يومنا هذا، بحسب تقرير نشرته صحيفة الخليج.

ويذكر المعجم أن الفعل رجع يعني العودة إلى الموضع الذي انطلق منه الإنسان، أو الرجوع إلى الحالة الأولى، وهو معنى حافظ على أصله مع اتساع مجالات استعماله.

ومن أقدم الشواهد ما نُسب إلى كعب بن لؤي في وصيته لقريش: «فهل رأيتم من هالكٍ رجع، أم ميتٍ نُشر؟» وفي الحديث النبوي الشريف قال رسول الله ﷺ: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.»

أما في القرآن الكريم، فقد ورد الجذر في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 105).

كما استعمله الشعراء في سياقات فكرية وسياسية وأدبية، ومن ذلك قول ابن هرمة:

فلستُ على رجعِ الكلامِ بقادرٍ

إذا القولُ من زلاتِه فارقَ الفما.

 

ويكشف المعجم التاريخي أن دلالة الرجوع تجاوزت العودة المكانية، لتشمل الرجوع عن الرأي، والعودة إلى الحق، واسترجاع الكلام، بل والمصير النهائي للإنسان إلى خالقه.

«مشى»… حركة تصنع المعنى

يحمل الجذر «مشى» دلالته الأساسية في الحركة والانتقال، لكنه يمتد إلى معانٍ أخرى مثل النمو والازدياد والسعي، وهو ما يعكس قدرة العربية على توسيع الدلالة انطلاقاً من أصل لغوي واحد.

ومن الشواهد المبكرة ما ورد عن هند بنت الخس في وصف بعض النساء، كما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: 7).

وجاء في الحديث الشريف في فضل التبكير إلى صلاة الجمعة: «من غسّل يوم الجمعة واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب…»

وتبرز هذه الشواهد أن المشي في العربية لا يقتصر على الحركة الجسدية، بل يرتبط بالسعي والعمل والاجتهاد وطلب الخير، وهي معانٍ ما تزال حاضرة في الاستعمال العربي المعاصر.

«قول»… الكلمة التي تبني الحضارة

أما الجذر «قول» فهو من أكثر الجذور حضوراً في العربية، إذ يرتبط بالنطق والحديث والتعبير، ويشكّل أساس التواصل الإنساني وصناعة المعرفة.

ومن شواهده في الحديث النبوي الشريف: «لا يمنعنَّ أحدَكم أذانُ بلالٍ من سحوره…»

ويبين المعجم التاريخي كيف اتسعت دلالة القول لتشمل الحقيقة والمجاز معاً، وهو ما أشار إليه اللغوي ابن قتيبة عندما ذكر أن العرب قد تنسب القول إلى غير الإنسان، فيقال: قال الحائط فمال؛ أي مال وانحرف، وهو استعمال مجازي يكشف مرونة العربية واتساع آفاقها البلاغية.

المعجم… ذاكرة حضارية للأمة

تكشف هذه النماذج الثلاثة جانباً من القيمة العلمية والثقافية التي يقدمها المعجم التاريخي للغة العربية؛ فهو لا يكتفي بتفسير الألفاظ، بل يعيد بناء تاريخها، ويرصد تحولات معانيها عبر القرون، مستنداً إلى شواهد موثقة من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، والشعر، والنثر، والوثائق التراثية.

ومن هنا تتجلى أهمية هذا المشروع بوصفه مرجعاً يؤرخ للغة العربية باعتبارها وعاءً للثقافة، وسجلاً للحضارة، وذاكرةً تحفظ للأمة تاريخها الفكري والإنساني، وتؤكد في الوقت نفسه قدرة العربية على التجدد والاستمرار عبر الأزمنة.

ملاحظة تحريرية: أفضل موضع لعبارة «نقلاً عن صحيفة الخليج، مع إعادة الصياغة والتحرير» هو أسفل العنوان مباشرة، لأنها توضح للقارئ منذ البداية مصدر المادة، مع بيان أن النص ليس نقلاً حرفياً وإنما أعيدت صياغته تحريرياً. وهذا هو الأسلوب المتبع في الصحافة المهنية.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.