الترجمة تكشف أسرار المعنى بين اللغات

تفتح الترجمة أبواب الأدب على العالم، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن صراعات ثقافية عميقة بين اللغات والمراكز والأطراف، وهو ما يناقشه كتاب «في مواجهة الأدب العالمي.. تسييس ما لا يقبل الترجمة»، الصادر عن المركز القومي للترجمة، من تأليف إميلي أبتر، وترجمة غادة الحلواني، ومراجعة بهاء الدين محمد مزيد.
ينطلق الكتاب من سؤال جوهري حول حدود الترجمة وما يظل عصيًا على الانتقال من لغة إلى أخرى، متخذًا موقفًا نقديًا من التصورات السائدة حول «الأدب العالمي»، ومشيرًا إلى أن بعض الكلمات والمفاهيم تقاوم النقل، وتحتفظ بخصوصيتها الثقافية حتى وهي تعبر الحدود اللغوية.
وترى المؤلفة أن الاهتمام المتزايد بالأدب العالمي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي ارتبط بتصورات معرفية وأكاديمية جعلت الترجمة وسيلة أساسية لتوسيع تداول الأعمال الأدبية، غير أن هذا التصور، بحسب الكتاب، قد يغفل السياسات الثقافية الكامنة وراء اختيار ما يُترجم وما يبقى خارج دائرة التداول العالمي.
ويضع الكتاب مفهوم «ما لا يقبل الترجمة» في قلب هذه الإشكالية؛ فهناك كلمات وعبارات تعاد ترجمتها باستمرار، أو تنتقل بصورة غير دقيقة، أو تقاوم الإحلال الكامل من لغة إلى أخرى. ولا يرى الكتاب في ذلك مجرد عجز تقني في عملية الترجمة، بل ظاهرة تكشف اختلاف التجارب الثقافية وخصوصية السياقات التي تنتج فيها اللغة معناها.
ومن هذا المنطلق، يقترح الكتاب مراجعة مفهوم «الأدب العالمي» الذي ترسخ في الدراسات الأدبية والإنسانية، وطرح بديل يتمثل في «آداب عالمية عدة»، بحيث لا يُنظر إلى الأدب العالمي باعتباره منظومة واحدة تقودها مراكز ثقافية محددة، وإنما بوصفه فضاءات متعددة تتقاطع فيها التجارب واللغات والتاريخ والجغرافيا والسياسة.
وتتوقف المؤلفة عند أطروحات باسكال كازانوفا، خصوصًا كتابه «الجمهورية العالمية للأدب»، الذي أصبح مرجعًا بارزًا في دراسة الأدب العالمي، وترى أن بعض تصوراته أبقت على أثر من المركزية الأوروبية والفرنكفونية، من خلال التمييز بين المركز والأطراف ودور المراكز الثقافية في تحديد ما يكتسب صفة العالمية.
وفي مقابل هذا التصور، يستفيد الكتاب من منجزات النقد ما بعد الكولونيالي، ومن بينها أطروحات إدوارد سعيد، التي أعادت مساءلة علاقات القوة التي تحكم إنتاج المعرفة وتداولها، كما يستفيد من تطور دراسات الترجمة في الكشف عن حركة الأفكار بين اللغات والثقافات، وما يرافقها من عمليات انتقال وإحلال وإعادة تشكيل.
وتبرز في الكتاب أمثلة من أعمال أدبية كبرى، مثل «الإلياذة» و«جلجامش» و«الكوميديا الإلهية» و«الحرب والسلام» و«أشياء تتداعى» و«أطفال منتصف الليل»، بوصفها نماذج تساعد على التفكير في مفهوم الأدب الذي يعبر الحدود، وما يرافق ذلك من أسئلة حول النخبة الثقافية والأسواق الأدبية وآليات الاعتراف العالمي.
كما تستعيد المؤلفة مفهوم «إخفاق الترجمة» لدى فالتر بنيامين، وما يرتبط به من أسئلة حول اللغة النقية والشفافة، لتؤكد أن الترجمة لا تقوم دائمًا على إيجاد مقابل مباشر للكلمة أو العبارة، إذ قد تحمل اللغة شحنة ثقافية وتاريخية تجعل نقلها الكامل أمرًا بالغ التعقيد.
وتستشهد في هذا السياق بتوصيف عبد الفتاح كيليطو لبعض الحالات التي تقاوم فيها اللغة عملية الترجمة، خصوصًا أمام عبارات عربية ذات حمولة دلالية وثقافية خاصة، مثل «ليت شعري»، التي لا يكفي نقل معناها المعجمي لاستحضار كامل ظلالها في العربية.
ويخلص الكتاب إلى أن الترجمة ليست عملية تقنية محايدة لنقل النصوص بين اللغات، بل فعل ثقافي تتقاطع فيه اللغة والسياسة والهوية والمعرفة وعلاقات القوة. ومن هنا، فإن الاعتراف بما لا يقبل الترجمة لا يمثل عائقًا أمام التواصل العالمي، بقدر ما يمكن أن يكون مدخلًا إلى فهم أعمق للاختلاف الثقافي، وإلى أدب عالمي أكثر تعددًا وعدالة في تمثيل لغاته وتجارب شعوبه.
بهذا المعنى، تصبح الترجمة مساحة للحوار لا للإلغاء، ويغدو الاختلاف بين اللغات عنصرًا من عناصر ثراء الأدب، لا عقبة ينبغي محوها باسم العالمية.
