النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار14 أغسطس 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

حمد بن صراي: الفنون الشعبية ترياق الهوية في مواجهة العولمة

حمد بن صراي: الفنون الشعبية ترياق الهوية في مواجهة العولمة

تواصل الفنون الشعبية الإماراتية حضورها بوصفها أحد أبرز مكونات الذاكرة الثقافية والهوية الوطنية، بما تختزنه من رموز ودلالات تتجاوز حدود الترفيه إلى التعبير عن تاريخ المجتمع وقيمه وعلاقته بالبيئة. وفي مقدمة هذه الفنون تبرز «العيالة» و«اليولة» بوصفهما نموذجين حيّين لفنون أدائية تحوّل القيم والموروث إلى لغة للجسد والإيقاع والحركة.

ويؤكد الباحث والمؤرخ الدكتور حمد بن جمعة بن صراي أن الفنون الأدائية الشعبية تمثل «ترياقاً ضد الذوبان الثقافي» في عصر العولمة، مشيراً إلى قدرتها على ربط الأجيال بجذورها وتعزيز التماسك الاجتماعي والوطني، مع إمكانية تطويرها بما ينسجم مع روح العصر دون أن تفقد خصوصيتها وأصالتها.

لغة الجسد تحكي الذاكرة

يرى صراي أن الفنون الشعبية تؤدي دوراً مهماً في تحويل القيم المعنوية إلى صور حركية ملموسة؛ فالشجاعة والإقدام والوحدة والتضامن لا تبقى مفاهيم مجردة، وإنما تتحول عبر الأداء إلى إشارات وحركات وإيقاعات تستحضر ذاكرة المجتمع وتعيد تقديمها أمام الجمهور.

وتبرز «العيالة» في هذا السياق باعتبارها نموذجاً واضحاً لهذا التداخل بين الحركة والمعنى، إذ تُعرف بوصفها رقصة للانتصار والحرب، وتحمل حركاتها وإيقاعاتها العديد من الرموز المرتبطة بالقوة والاعتزاز والدفاع. ويشكل اصطفاف المؤدين في صفين متقابلين، ورفع العصي وتوجيهها، إلى جانب الأهازيج والأشعار الشعبية، مشهداً أدائياً متكاملاً يستعيد صوراً من ماضي المجتمع وقيمه.

ولا يقتصر حضور هذه الفنون على المؤدين وحدهم، إذ تجري في فضاء تفاعلي يشارك فيه الجمهور، بما يلغي الحدود الفاصلة بين العرض والحياة اليومية. وبهذا تصبح القيم التي يجسدها الأداء تجربة حية، تستحضر معاني التضحية والتعاون والاستعداد لمواجهة التحديات.

من الطقس إلى التعبير المعاصر

ويشير صراي إلى أن العلاقة بين الرقصات الشعبية والواقع ليست علاقة جامدة، فهذه الفنون لم تتوقف عند استعادة الماضي، بل ظلت تتفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية. ومع تغير الظروف التي نشأت فيها بعض الممارسات، انتقلت من سياقاتها الطقسية الأولى إلى فضاءات احتفالية واجتماعية ووطنية، لتصبح وسيلة للتواصل والتعبير عن الهوية.

ومن هذا المنظور، تشكل الفنون الأدائية الشعبية أحد أصول الهوية الوطنية، لأنها تستعيد العادات والقيم والوقائع اليومية، وتستعين بالشعر الشعبي في التعبير عنها. فالعيالة واليولة وغيرهما من الفنون التراثية لا تنفصل عن لغة المجتمع، بل تستمد جانباً من قوتها من ارتباطها بالقصيدة والأهازيج والمفردات المتداولة في البيئة المحلية.

كما يعكس تنوع هذه الفنون العلاقة الوثيقة بين الإنسان ومحيطه؛ فالأداءات المرتبطة بالمناطق الجبلية تحمل في بعض صورها سمات القوة والصلابة، فيما تتميز بعض فنون البيئات الساحلية بالانسيابية، بما يكشف عن تأثير المكان في تشكيل التعبير الثقافي.

العيالة واليولة.. قيم متجددة

ويرى صراي أن الفنون الشعبية تسهم في إعادة إنتاج القيم الاجتماعية، فالعيالة، على سبيل المثال، لم تعد مجرد استعادة لصورة قديمة مرتبطة بالحرب، وإنما تحولت إلى رمز للوحدة والتعاون والتماسك، بما يمنحها قدرة على التعبير عن قضايا الحاضر بلغة مستمدة من الذاكرة.

أما «اليولة»، فتأتي بوصفها أحد أكثر الفنون الإماراتية شعبية وحضوراً، وهي في أصلها مرتبطة بفن السلاح، واستمدت من «الرزفة» قبل أن تتطور إلى أداء فردي أو ثنائي يستعرض مهارة المؤدي ودقته وشجاعته. ويمنحها هذا الطابع الحركي مكانة خاصة في المشهد التراثي الإماراتي، خصوصاً أن القيم التي تعبر عنها، وفي مقدمتها الشجاعة والثقة بالنفس، لا تفقد حضورها بتغير الزمن.

ويؤكد صراي أن استمرار الحاجة إلى هذه الفنون يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة ثقافية تتجاوز الاحتفال، فهي تمثل «مرساة» تصل الشباب بجذورهم، وتحافظ على خصوصيتهم الثقافية في مواجهة التأثيرات المتسارعة للعولمة.

الأصالة تواكب روح العصر

ولا يرى صراي أن الحفاظ على الفنون الشعبية يعني عزلها عن التطور، إذ يمكن إدماجها في سياقات فنية معاصرة، ومنها المسرح الحركي، حيث يعاد توظيف الحركات التراثية في أعمال تتناول قضايا وأسئلة جديدة.

ويفتح هذا التفاعل الباب أمام معادلة متوازنة بين صون الأصالة والاستجابة للتجديد، بحيث يبقى الموروث حاضراً في الوعي المعاصر من دون أن يتحول إلى مادة جامدة. كما تمنح هذه الفنون، في ظل ضغوط الحياة الحديثة، مساحة للتعبير وتفريغ الطاقة وتعزيز الثقة بالنفس والتواصل الاجتماعي.

وفي المحصلة، تبدو الفنون الشعبية الإماراتية أكثر من مجرد عروض تراثية تستعاد في المناسبات؛ إنها ذاكرة متحركة تحفظ القيم وتعيد إنتاجها، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى جذورها بلغة قريبة من وجدانها. ومن هنا تأتي أهمية العيالة واليولة وغيرها من الفنون الأدائية باعتبارها لغة ثقافية مشتركة، تربط الإنسان بمكانه ومجتمعه وتاريخه، وتؤكد أن الموروث قادر على مواكبة المستقبل من دون أن يتخلى عن روحه.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.