حبيب الصايغ.. حياةٌ بعد الرحيل

في الذكرى السابعة لرحيل الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، تستعيد الذاكرة الثقافية الإماراتية والعربية تجربة أدبية وفكرية امتزج فيها الشعر بالصحافة والعمل الثقافي، وبرز خلالها الصايغ صوتاً شعرياً حمل أسئلة الإنسان والوطن والهوية، وجعل من الكلمة مساحة للتعبير والحوار.
رحل الصايغ في 20 أغسطس 2019 عن عمر 64 عاماً، بعد مسيرة امتدت بين الشعر والصحافة والمؤسسات الثقافية، تاركاً وراءه منجزاً أدبياً وحضوراً مؤسسياً جعلاه واحداً من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي الإماراتي والخليجي.
قصيدة تبحث عن شكلها
بدأ حبيب الصايغ تجربته الشعرية مبكراً، وصدرت مجموعته الأولى عام 1980، قبل أن تتوالى أعماله التي كشفت عن شاعر لم يتوقف عند شكل شعري واحد، بل تحرك بين القصيدة العمودية وشعر التفعيلة وقصيدة النثر، بحثاً عن الصيغة الأكثر قدرة على التعبير عن رؤيته وأسئلته.
ومن بين أعماله الشعرية «التصريح الأخير للناطق باسم نفسه»، و«قصائد إلى بيروت»، و«ميارى»، و«الملامح»، و«قصائد على بحر البحر»، و«وردة الكهولة»، و«رسم بياني لأسراب الزرافات»، و«كسر في الوزن».
وتكشف هذه الأعمال عن مسار شعري اتسم بالتجريب والانفتاح على الحداثة، مع حضور واضح للقضايا الوطنية والإنسانية والهم العربي. وقد امتدت أصداء تجربته إلى خارج العالم العربي من خلال ترجمة عدد من قصائده وأعماله إلى لغات مختلفة، بينها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والصينية.
الشاعر في المجال العام
لم يكن الصايغ شاعراً منعزلاً عن محيطه. فقد عمل في الصحافة والثقافة، وارتبط اسمه بالمؤسسات والاتحادات الثقافية، وتولى رئاسة مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، كما انتُخب أميناً عاماً للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب عام 2015، وأعيد انتخابه لدورة ثانية عام 2019.
ومن خلال هذه الأدوار، اتسع مفهوم الثقافة لديه من إنتاج النص إلى المشاركة في الحياة العامة. فالمثقف، في تجربته، لم يكن مجرد صاحب كتاب أو قصيدة، وإنما طرفاً في النقاش حول قضايا المجتمع والإنسان ومستقبل المعرفة.
ولهذا حضرت في كتاباته الصحفية أسئلة تتصل بالواقع العربي، وبالتحولات الاجتماعية والفكرية، وبالعلاقة بين الثقافة والقارئ، وهي أسئلة جعلت تجربته تتجاوز حدود الشعر إلى فضاء أوسع من العمل الثقافي.
حضور إماراتي بأفق عربي
حمل الصايغ تجربته الإماراتية إلى فضاء عربي أوسع، وشارك في مؤتمرات وملتقيات أدبية وثقافية، وانشغل بقضايا الشعر العربي وتحولاته، وبموقع القصيدة في زمن تتغير فيه وسائل التعبير وتتبدل علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب والقراءة.
وكان انحيازه إلى الحوار جزءاً من رؤيته للعمل الثقافي؛ فالثقافة عنده لم تكن مجموعة من الأنشطة المنفصلة، بل وسيلة لفهم التحولات ومناقشة الأسئلة التي تشغل الإنسان والمجتمع.
وقد أسهم هذا الحضور في ترسيخ موقعه بوصفه شاعراً ومثقفاً إماراتياً له امتداد عربي، وهو ما جعل تجربته حاضرة في المشهد الثقافي حتى بعد رحيله.
إرث يتجدد
بعد سبع سنوات على رحيله، لا تبدو تجربة حبيب الصايغ مجرد صفحة من تاريخ الشعر الإماراتي، بل منجزاً قابلاً لإعادة القراءة. فقصيدته تحمل ملامح مرحلة مهمة من تطور الشعر في الإمارات والخليج، بينما تكشف كتاباته وممارسته الثقافية عن تصور لدور المثقف في المجتمع.
ولعل أبرز ما يبقى من تجربته هو هذا الجمع بين الشاعر والمثقف والصحفي؛ ثلاثة أدوار لم يتعامل معها بوصفها مسارات منفصلة، بل جعلها تتقاطع في مشروع واحد عنوانه الكلمة.
ومن هنا، فإن استعادة حبيب الصايغ في ذكرى رحيله ليست مجرد وقوف عند تاريخ غيابه، وإنما عودة إلى تجربة تركت أثراً في الشعر والصحافة والعمل الثقافي، وإلى صوت لا يزال حاضراً كلما طرحت الثقافة سؤالها عن دور الكلمة في بناء الوعي.
رحل حبيب الصايغ، لكن القصيدة بقيت، وبقي معها أثر شاعر آمن بأن الكلمة تستطيع أن تتجاوز لحظتها، لتصبح جزءاً من ذاكرة المكان والإنسان.
