بيت الحكمة.. حين تتحول المعرفة إلى حياة

يواصل «بيت الحكمة» في الشارقة ترسيخ مكانته بوصفه صرحاً معرفياً وثقافياً يجمع بين أصالة الكتاب وروح الابتكار، ويقدم نموذجاً حديثاً للمكتبة التي تتجاوز حفظ الكتب إلى بناء مجتمع متفاعل مع المعرفة والثقافة والفنون.
ويجمع «بيت الحكمة» بين المكتبة والفضاء الاجتماعي والثقافي، في بيئة معمارية حديثة تتيح للزوار القراءة والتعلم والمشاركة في الفعاليات والورش والجلسات الحوارية، إلى جانب مساحات مخصصة للأطفال والشباب ومختلف فئات المجتمع، بحسب صحيفة الخليج.
ويستمد الصرح أهميته من رؤية ثقافية جعلت من الشارقة مركزاً للكتاب والمعرفة، إذ أُنشئ في ديسمبر 2020 بتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، احتفاءً باختيار الشارقة عاصمة عالمية للكتاب لعام 2019 من جانب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
ويقع «بيت الحكمة» على مساحة تقارب 12 ألف متر مربع، ويضم نحو 300 ألف عنوان، منها أكثر من 105 آلاف كتاب ورقي ونحو 250 ألف كتاب إلكتروني، في مختلف مجالات المعرفة وبعدد من اللغات.
عمارة تفتح أبواب المعرفة
صممت شركة «فوستر آند بارتنرز» المبنى وفق رؤية معمارية تجمع الجمال والوظيفة والاستدامة، مع الاعتماد على الضوء الطبيعي وعناصر البيئة المحيطة، وتوفير مساحات مرنة تلائم احتياجات الزوار والفعاليات المختلفة.
وتشكل المكتبة قلب المشروع، إذ تجمع بين مفهوم المكتبة التقليدية والفضاء الثقافي المفتوح، وتوفر أماكن مريحة للقراءة والتعلم، إلى جانب قاعات للفعاليات والمعارض والورش والجلسات النقاشية.
ويضم «بيت الحكمة» أيضاً «مخبر الجزري»، الذي يمثل منصة تفاعلية للابتكار والتكنولوجيا، ويتيح للزوار التعرف إلى تقنيات حديثة تشمل الطباعة ثلاثية الأبعاد وآلات التحكم الرقمي وقواطع الليزر. ويحمل المخبر اسم العالم والمخترع بديع الزمان الجزري، تقديراً لإسهاماته العلمية في تاريخ الحضارة الإنسانية.
المعرفة في فضاء اجتماعي
لا يقتصر دور «بيت الحكمة» على توفير الكتب، بل يسعى إلى تعزيز التواصل بين أفراد المجتمع من خلال الثقافة والقراءة والفنون والفعاليات المعرفية. وتوفر مرافقه مساحات للتفاعل والحوار، بما يعزز بناء العلاقات القائمة على المعرفة والقيم المشتركة، ويجعل الثقافة جزءاً من الحياة اليومية.
وتحيط بالمبنى حدائق تضم 331 شجرة من 12 نوعاً مختلفاً، لتمنح المكان أجواءً مناسبة للقراءة والتأمل والاسترخاء، فيما يستقبل الفناء الخارجي الزوار أمام نصب «المخطوطة» الذي أصبح أحد المعالم البصرية المرتبطة بالمشروع.
ويضم «بيت الحكمة» 15 قاعة وردهة وساحة موزعة على طابقين، تحمل أسماء مرتبطة بتاريخ المعرفة والحضارة العربية والإسلامية، من بينها «قاعة الرشيد»، و«ميدان الحكمة»، و«معرض المأمون»، و«مكتبة الجرهمي»، و«صالة ابن دريد للقراءة»، و«معرض الخوارزمي»، و«مخبر الجزري».
«المخطوطة».. رمز الكتاب والمعرفة
يقف نصب «المخطوطة» أمام بوابة «بيت الحكمة» بوصفه رمزاً فنياً للكتاب والمعرفة، وصلة بين الماضي والحاضر. وصممه الفنان العالمي جيري جودا، ويبلغ ارتفاعه 36 متراً، مستلهماً في تكوينه الشكل اللولبي للمخطوطات القديمة.
ويتكون النصب من 72 طناً من الفولاذ و240 طناً من الخرسانة، ليجمع بين التعبير الفني والهندسة المعمارية، ويجسد مكانة الكتاب في المشروع الثقافي للشارقة.
وتستوعب قاعة الفعاليات نحو 300 زائر، فيما تتيح طبيعة المكان المرنة استضافة مجموعة متنوعة من الأنشطة، من المحاضرات والمعارض إلى اللقاءات والفعاليات الثقافية والاجتماعية.
امتداد لبيت الحكمة التاريخي
يحمل المشروع اسماً يستحضر «بيت الحكمة» في بغداد، الذي ارتبط بازدهار الحركة العلمية والترجمة خلال العصر العباسي، ولا سيما في عهد الخليفة المأمون، حين أصبحت بغداد مركزاً لترجمة العلوم والمعارف من لغات وثقافات متعددة، قبل أن يسهم العلماء في تطويرها وإضافة إسهامات جديدة إليها.
ومن هذا الإرث يستلهم «بيت الحكمة» في الشارقة رؤيته المعاصرة، فيجعل المعرفة جسراً بين الماضي والمستقبل، ويقدم نموذجاً لمؤسسة ثقافية لا تكتفي بتوفير الكتاب، بل تربط القراءة بالتعلم والابتكار والتفاعل المجتمعي.
وبذلك يرسخ «بيت الحكمة» حضوره في المشهد الثقافي الإماراتي والعربي باعتباره مساحة مفتوحة للمعرفة، ووجهاً من وجوه المشروع الثقافي المستدام الذي جعل من الشارقة وجهة عالمية للكتاب والقراءة والثقافة.
أبرز الأرقام:
-
300 ألف عنوان في المكتبة.
-
12 ألف متر مربع مساحة المشروع.
-
300 زائر تستوعبهم قاعة الفعاليات.
-
36 متراً ارتفاع نصب «المخطوطة».
-
331 شجرة في الحدائق الخارجية.
