الرواية العربية: هل روّضتها الجوائز أم أطلقتها؟

محمد فال معاوية
في كل موسم أدبي، تتجه الأنظار إلى القوائم الطويلة والقصيرة، وتتصاعد التوقعات حول الأسماء المرشحة والفائزة، حتى يبدو المشهد وكأن الرواية العربية تُقاس بميزان الجوائز أكثر مما تُقاس بميزانها الجمالي الخاص. هذا الحضور الطاغي للجوائز لم يعد مجرد احتفاء بالأدب، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيله، ما يطرح سؤالًا ملحًا: هل ما نقرأه اليوم هو ما يريد الكاتب قوله فعلًا، أم ما يتوقع أن يحظى بالاعتراف؟
لا شك أن الجوائز الأدبية منحت الرواية العربية دفعة قوية. فقد أعادت الاعتبار لهذا الفن، ووسّعت قاعدة قرّائه، وفتحت أبواب الترجمة والانتشار أمام أسماء لم تكن لتحظى بهذه الفرص من قبل. كما ساهمت في تحويل الرواية إلى حدث ثقافي يُنتظر، لا مجرد إصدار عابر. غير أن هذا الأثر الإيجابي لا يلغي جانبًا آخر أكثر تعقيدًا، يتعلق بكيفية تشكّل النص الروائي في ظل هذا المناخ.
ففي السنوات الأخيرة، بدا واضحًا أن بعض الروائيين صاروا يكتبون تحت سقف “التوقع”. ثمة وعي خفي—وأحيانًا معلن—بما قد تفضّله لجان التحكيم، وبالموضوعات التي تحظى بقبول أكبر، وبالأشكال السردية التي تبدو “مأمونة”. وهكذا، تتحول الرواية من مغامرة إبداعية مفتوحة إلى مشروع محسوب الخطوات، يسعى إلى تحقيق شروط غير مكتوبة للنجاح.
يمكن ملاحظة ذلك في تكرار ثيمات بعينها، مثل استدعاء الذاكرة التاريخية، أو الاشتغال على الحروب والتحولات السياسية، أو تفكيك أسئلة الهوية. وهي موضوعات مشروعة وضرورية، لكنها حين تتكرر ضمن قوالب متقاربة، تفقد قدرتها على الإدهاش. بل إن القارئ بات، في أحيان كثيرة، يشعر بأنه أمام نصوص “متوقعة”، تعرف إلى أين تمضي قبل أن تنهي صفحاتها الأولى.
ولا يتوقف الأمر عند الموضوعات، بل يمتد إلى الشكل أيضًا. إذ تميل بعض الروايات إلى اعتماد بنى سردية تقليدية أو شبه تقليدية، تتجنب المخاطرة على مستوى اللغة أو البناء أو تقنيات السرد. وكأن هناك خوفًا ضمنيًا من أن تُفهم المغامرة بوصفها إخفاقًا، أو أن تُقصي الجرأة النص عن دائرة المنافسة.
غير أن الرواية، في جوهرها، لا تُكتب بهذه الطريقة. فهي فن قائم على القلق، وعلى اختبار المجهول، وعلى كسر التوقعات لا الامتثال لها. وكل تحوّل كبير في تاريخ الرواية كان نتيجة مغامرة، لا نتيجة حسابات. لذلك، فإن أي ميل إلى “ترويض” النص—مهما كانت دوافعه—يهدد بفقدان أحد أهم شروط الإبداع: الحرية.
لا يعني هذا أن الجوائز تُنتج أدبًا ضعيفًا، أو أن كل رواية فائزة تفتقر إلى القيمة. على العكس، ثمة أعمال عربية لافتة جمعت بين الجودة الفنية والتقدير المؤسسي. لكن الإشكال يكمن في الأثر التراكمي لهيمنة منطق الجوائز، حين يتحول—بمرور الوقت—إلى معيار ضمني يوجّه الكتابة، ويعيد إنتاج نماذج متشابهة من “الرواية الناجحة”.
في المقابل، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الكاتب. فالكاتب الذي ينشغل بسؤال الكتابة أكثر من سؤال الجائزة، سيظل قادرًا على حماية نصه من التكرار والاستسهال. بل إن بعض أهم التجارب الروائية هي تلك التي كُتبت خارج أي حسابات، ثم فرضت نفسها لاحقًا بقوة فرادتها.
إن الرواية العربية اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تواصل السير في طرق ممهدة تضمن لها الاعتراف السريع، أم تعود إلى مناطق المخاطرة التي قد تكون أقل أمانًا، لكنها أكثر قدرة على إنتاج الدهشة؟ ربما لا يكمن الخطر في وجود الجوائز، بل في الطريقة التي ننظر بها إليها: هل هي غاية، أم مجرد نتيجة محتملة لنص حر؟
في النهاية، لا تُخلّد الجوائز الروايات، بل تُخلّد الروايات نفسها. وما يبقى في ذاكرة القارئ ليس ما فاز، بل ما أدهش وغيّر وفتح أفقًا جديدًا للكتابة. هنا فقط، يمكن القول إن الرواية لا تزال بخير.
