النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار22 أبريل 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

ما ملامح التحول في استراتيجية الشارقة الثقافية؟

ما ملامح التحول في استراتيجية الشارقة الثقافية؟

تكشف ملامح البرنامج السنوي لـ دائرة الثقافة في الشارقة عن تحول لافت في طريقة مقاربة الشارقة للفعل الثقافي، من إطار الفعاليات المحلية إلى مشروع ثقافي أوسع يمتد عربياً وأفريقياً. ولا يبدو إعلان سعادة عبد الله العويس رئيس دائرة الثقافة عن تنظيم 25 مهرجاناً وملتقى خلال الأشهر المقبلة مجرد عرض لأنشطة دورية، بل مؤشراً على إعادة صياغة استراتيجية ثقافية تقوم على توسيع نطاق التأثير، وتعزيز دور الشارقة بوصفها مركزاً فاعلاً في إنتاج الثقافة وتوجيه مساراتها.

وفي خلفية هذا الدور، تبرز رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي جعلت من الثقافة ركناً أساسياً في المشروع التنموي للإمارة، لا مجرد نشاط موازٍ. إذ تتجه هذه الرؤية إلى تحويل الثقافة إلى أداة لبناء الوعي العام، وتعزيز موقع الشارقة بوصفها فاعلاً ثقافياً عربياً يمتد تأثيره خارج الحدود الجغرافية التقليدية.

ضمن هذا الإطار، يعكس حديث رئيس دائرة الثقافة امتداداً عملياً لهذه الرؤية، إذ لا يقتصر على عرض برنامج موسمي، بل يشير إلى تصور أشمل يقوم على توسيع نطاق الفعل الثقافي وربطه بفضاءات عربية وأفريقية، بما يجعل من الثقافة أداة للتواصل الحضاري والتفاعل المعرفي.

من الفعالية إلى المشروع الثقافي

لا يمكن قراءة عدد 25 فعالية في ثلاثة أشهر فقط، بوصفه مؤشراً كمياً مجرداً، بل ينبغي النظر إليه في سياق بنية ثقافية تتشكل تدريجياً عبر تراكم المبادرات والبرامج. فتنوع الفعاليات بين المسرح والشعر والخط العربي والمهرجانات وملتقيات التكريم يعكس إرادة واعية لبناء منظومة ثقافية متكاملة، تتقاطع فيها الفنون مع الفكر والإبداع.

هذا التنوع يشير إلى إدراك واع بأن الثقافة الحديثة لا تقوم على حقل واحد، بل على شبكة مترابطة من الفنون والمعارف. ولا شك أن هذا التراكم قادر على إنتاج أثر نوعي ومستدام، يتجاوز حدود العرض إلى مستوى التأثير في الوعي والممارسة الثقافية.

الامتداد الجغرافي

يبرز في البرنامج بعدٌ جغرافي لافت يتمثل في امتداده إلى دول عربية وأفريقية، وهو امتداد يعكس توجهاً لإعادة رسم خريطة التفاعل الثقافي العربي. فتنظيم ملتقيات الشعر العربي في دول مثل السنغال ونيجيريا وتشاد يشير إلى رغبة في فتح مسارات جديدة أمام الثقافة العربية في فضاءات ظلت لفترات طويلة خارج نطاق الحضور المؤسسي المباشر.

هذا التحول الذي بدأته الشارقة مند عدة سنوات، لا يمكن فصله عن سياق عالمي يتجه نحو تعدد المراكز الثقافية، حيث لم يعد التأثير محصوراً في فضاءات جغرافية محددة، بل أصبح نتاج تفاعل شبكي واسع. ومن هنا، يبدو المشروع الثقافي في الشارقة محاولة لتموضع الثقافة العربية داخل هذا المشهد المتغير، عبر أدوات مؤسسية ومنهجية واضحة.

لا يقتصر البرنامج على الفعاليات الكبرى، بل يتضمن أيضاً برامج موجهة لبناء القدرات الثقافية، مثل الورش التدريبية، والمسرح المدرسي، والجوائز المخصصة للإصدارات الأولى. وتكشف هذه العناصر عن رهان طويل الأمد على الإنسان بوصفه محور العملية الثقافية، لا مجرد متلقٍ لها، ف“إنتاج الفاعلين الثقافيين” يسير بالتوازي مع “إنتاج الفعاليات” بما يضمن استمرارية الحراك الثقافي وتجددّه عبر الأجيال، ويمنح الثقافة بعداً بنيوياً يتجاوز اللحظة الآنية.

بين الهوية والانفتاح

يطرح هذا الحراك الثقافي معادلة دقيقة تقوم على التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية العربية والانفتاح على العالم. فالمحتوى الذي تقدمه دائرة الثقافة في الشارقة يستند إلى مكونات ثقافية راسخة، من الشعر والمسرح إلى الخط العربي، لكنه يُقدَّم ضمن صيغ معاصرة تسمح له بالتفاعل مع السياقات الثقافية العالمية.

مع الوقت تتحول هذه الفعاليات إلى قوة تغيير ثقافي حقيقي، قادرة على إنتاج معرفة جديدة وإحداث تحول في علاقة المجتمع بالثقافة، ذلك لأن الرهان في الشارقة يقوم على الاستمرارية بوصفها استراتيجية، حيث يتم التعامل مع الثقافة كمشروع تراكمي طويل الأمد، لا كحزمة من الفعاليات المنفصلة.

في المحصلة، لا يقدم حديث الأستاذ عبد الله بن محمد العويس مجرد عرض لبرنامج ثقافي، بل يفتح نافذة على تصور استراتيجي أوسع تتبناه دائرة الثقافة في الشارقة، يقوم على إعادة تعريف وظيفة الثقافة عربياً وأفريقياً. وهو تصور يضع الشارقة في موقع الفاعل الثقافي الذي لا يكتفي بإنتاج الفعاليات، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الفضاء الثقافي ذاته، ضمن رؤية ترى في الثقافة أداة للتنمية وبناء الجسور بين المجتمعات.

الشارقة – محمد فال معاوية

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.