«أنا أراك.. هل تراني؟».. الفن يرسم ذاكرة غزة على طرود المساعدات

في أوقات الحروب، تتغير وظائف الأشياء وتكتسب معاني جديدة. هكذا حدث مع صناديق المساعدات الإنسانية في غزة، التي لم تعد مجرد وسيلة لنقل الغذاء، بل تحولت في يد الفنان الفلسطيني أحمد مهنا إلى لوحات فنية تحمل ذاكرة المكان وتروي حكايات الناس الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة الجوع والخوف والفقدان.
في مدينة دير البلح، حيث يعيش مهنا مع أسرته، فرضت ظروف الحرب واقعاً قاسياً على الفنان الذي كان يعمل في مجال العلاج النفسي للأطفال عبر الرسم. ومع اشتداد القصف ونفاد اللوحات والأدوات الفنية من مرسمه، وجد أمامه صندوق مساعدات فارغاً يحمل عبارة «ليس للبيع أو للبدل»، فكانت تلك العبارة بداية مشروع فني مختلف، حوّل مواد الإغاثة إلى مساحة للتعبير عن معاناة الفلسطينيين وأحلامهم.
لم يرَ مهنا في العبارة مجرد تنبيه مطبوع على صندوق مساعدات، بل وجد فيها معنى يتجاوز حدود الكلمات، فالفلسطينيون وقضيتهم، كما يقول، «ليسوا للبيع أو للبدل». ومن هذه الفكرة بدأت تتشكل على الكراتين وجوه الأطفال والنساء والنازحين، لتتحول صناديق المساعدات إلى سجل بصري يوثق تفاصيل الحياة اليومية في غزة.
في إحدى لوحاته الأولى، رسم الفنان الفلسطيني أحمد مهنا طفلة تحمل قارورة ماء كبيرة بين يديها الصغيرتين، مستلهماً مشهداً يتكرر يومياً في قطاع غزة. أطفال كان يفترض أن يكونوا في مدارسهم أو ملاعبهم، لكنهم وجدوا أنفسهم يحملون أعباء تفوق أعمارهم بكثير، وفق ما ورد في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
وتتنوع موضوعات أعماله بين الحرب والجوع والتهجير والصمود، لكنها لا تخلو من حضور الأمل. لذلك يكثر الفنان من استخدام اللون الأصفر في عدد من لوحاته بوصفه رمزاً للحياة والضوء، في مواجهة المشاهد القاسية التي تفرضها الحرب.
ومن أبرز أعماله لوحة تحمل سؤالاً مباشراً للمتلقي: «أنا أراك.. هل تراني؟». يظهر في اللوحة وجه لا تبدو منه سوى عينين تحدقان في العالم، وكأنهما تطلبان الاعتراف بوجود أصحاب هذه الحكايات ومعاناتهم. ويؤكد الفنان أن النظرة هنا ليست نظرة خوف فحسب، بل تحمل معنى المساءلة والبحث عن العدالة والإنسانية.
وتكتسب هذه اللوحة بعداً إضافياً من خلال مشاركة ابنته ريتال في كتابة عبارات عليها، من بينها «الحرية أجمل» و«الحرية لفلسطين». وهكذا يصبح الطفل شريكاً في العمل الفني، لا موضوعاً له فقط، فيتحول الفن إلى مساحة للحوار بين الأجيال.
وفي لوحة أخرى بعنوان «كنا هنا»، يطبع ابنه الصغير وسام كفيه باللون الأحمر على سطح الكرتون، في إشارة إلى الحضور والذاكرة، وإلى أولئك الذين غابوا وبقي أثرهم شاهداً عليهم. وتجاور هذه البصمات خريطة غزة المحاطة بالأسلاك، فيما تتردد عبارة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
ولا تقف تجربة مهنا عند حدود التوثيق البصري للمعاناة، بل تمتد إلى التأكيد على قدرة الفن على مقاومة النسيان. فقد تحولت أربعون لوحة مرسومة على صناديق المساعدات، إلى جانب مئة لوحة أخرى، إلى جزء من معرض بعنوان «قصص الأمل»، جال عدداً من المدن الأوروبية، حاملاً معه رواية بصرية عن الحياة في غزة كما يراها أبناؤها.
تكشف تجربة أحمد مهنا أن الفن قادر على منح الأشياء حياة أخرى. فالكرتون الذي صُمم لنقل الغذاء بات يحمل قصص البشر، وصناديق المساعدات التي دخلت غزة بوصفها وسيلة للنجاة خرجت منها مرة أخرى بوصفها أعمالاً فنية وشهادات إنسانية على زمن الحرب.
وفي النهاية، لا تقدم هذه اللوحات إجابات جاهزة بقدر ما تطرح سؤالاً مفتوحاً على العالم كله: «أنا أراك.. هل تراني؟». وهو سؤال يتجاوز حدود الفن ليصبح دعوة إلى رؤية الإنسان خلف الأرقام والعناوين والصور العابرة، وإلى الإصغاء إلى الحكايات التي لا تقولها الأخبار دائماً.
