المكتبات الإسلامية.. ذاكرة العلم وصناعة المعرفة

تقدم دراسة فكرية قراءة في تاريخ المكتبات الإسلامية بوصفها مؤسسات حية أسهمت في حفظ المعرفة وتنظيمها وإتاحتها، مؤكدة أن المكتبة في الحضارة الإسلامية لم تكن مجرد خزائن لحفظ الكتب، بل فضاءً تلاقت فيه حركة العلم والتعليم وصناعة المخطوط والوقف والمنفعة العامة.
وفي دراسة نشرتها مجلة «الرافد» الصادرة عن دائرة الثقافة بالشارقة بعنوان «المكتبات في الحضارة الإسلامية.. ذاكرة العلم وبدايات تنظيم المعرفة»، تستعرض الدكتورة ياسمين سعد محمد محمود المكانة الحضارية للمكتبات الإسلامية، موضحة أن الكتاب لم يكن مجرد وعاء للنص، بل كيانًا معرفيًا متكاملًا يُنسخ ويُصحح ويُجلّد ويُوقف ويُتداول، بما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية إدارة المعرفة وتنظيمها وإتاحتها.
وتوضح الدراسة أن تاريخ المكتبات الإسلامية يلتقي مع علم المكتبات والمعلومات في أسئلة جوهرية تتعلق بجمع المعرفة وتنظيمها وحفظها وإتاحتها، مشيرة إلى أن مكتبات المساجد والمدارس ودور العلم والخزائن الخاصة والعامة شكلت منظومة متنوعة استجابت لحاجات المجتمع العلمي عبر عصور مختلفة.
وتبرز الدراسة دور الوقف في منح المكتبة الإسلامية بعدها الاجتماعي، إذ نقل الكتاب من دائرة الملكية الخاصة إلى مجال النفع العام، وجعل حفظه وصيانته وإتاحته جزءًا من مسؤولية ثقافية ومؤسسية، كما أسهم في استمرار حركة العلم وانتقال المعرفة بين الأجيال.
وتشير إلى أن أهمية المكتبة لم تكن مرتبطة بعدد الكتب التي تضمها فقط، بل بالنظام الذي يحكم هذه المصنفات، من خلال أدوار الخازنين والورّاقين والنساخ والمجلدين والقراء، الذين أسهموا جميعًا في دورة حياة الكتاب وحفظه وتداوله.
وتتوقف الدراسة عند كتاب «الفهرست» لابن النديم بوصفه شاهدًا مبكرًا على الوعي الببليوغرافي، لما تضمنه من تنظيم لعالم الكتب والمؤلفين والعلوم واللغات، مؤكدة أن التجربة الإسلامية عرفت ممارسات مبكرة في وصف الكتب وتصنيفها ونسبتها، دون إسقاط مفاهيم الفهرسة الحديثة على الماضي.
كما تكشف الدراسة البعد الفني للمخطوط الإسلامي، باعتباره وثيقة تجمع بين النص والجمال والتاريخ؛ فالخط والزخرفة والتجليد والحواشي والتملكات والوقفيات تمثل شواهد على رحلة الكتاب وسياقات تداوله، وتمنح الباحث مفاتيح لفهم تاريخ النسخة ومكانتها العلمية والاجتماعية.
وتؤكد الدراسة أن مكتبات المساجد والمدارس والأسواق العلمية لعبت دورًا محوريًا في بناء الحضارة المعرفية الإسلامية، حيث لم يكن المسجد فضاءً للعبادة فقط، بل مركزًا للتعليم والقراءة، كما أسهم الورّاقون في نقل الكتب وتداولها وربط المؤلفين بالقراء.
وتشير إلى أن انتشار الورق في العالم الإسلامي أحدث تحولًا مهمًا في تاريخ المعرفة، إذ أسهم في توسع حركة النسخ ونمو صناعة الكتاب، وجعل من الكتاب وسيلة أكثر قدرة على الانتشار والبقاء، قبل ظهور الطباعة الحديثة.
وتختتم الدراسة بالتأكيد على أن المكتبات الإسلامية تمثل نموذجًا مبكرًا لتنظيم المعرفة، وأن أخصائي المكتبات والمعلومات في العصر الحديث يواصل دورًا حضاريًا امتد عبر الزمن، من حفظ المخطوطات وصيانتها إلى تنظيمها ورقمنتها وإتاحتها للباحثين.
وتخلص إلى أن المكتبة الإسلامية كانت ذاكرةً للعلم ومرآةً للفن وأداةً لصناعة المعرفة، وأن الرسالة التي جمعت بين خزانة المخطوط والفهرس الرقمي واحدة: إبقاء التراث حيًا ومتداولًا في خدمة الإنسان والعلم.
