الذكاء الاصطناعي.. متى أصبحت الآلة أستاذًا؟

يثير الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والتعليم والترجمة أسئلة تتجاوز حدود التقنية ووظائفها المباشرة، لتصل إلى جوهر العملية المعرفية نفسها: هل تساعد الآلة الإنسان على التعلم وإنتاج المعرفة، أم أنها قد تدفعه تدريجيًا إلى الاستغناء عن رحلة البحث والتفكير والتحليل؟
في مقالته «خواطر تائهة.. متى أصبحت الآلة أستاذًا؟»، المنشورة في مجلة «الرافد» بتاريخ 1 أكتوبر 2026، يتوقف د. السيد يونس عبد الغني عند هذه الأسئلة، مستهلًا تأملاته بمفارقة في عالم البحث العلمي، حيث أصبح بعض الباحثين يتباهون بعدد الأوراق التي ينشرونها سنويًا، في مقابل تراجع الاهتمام أحيانًا بقيمة الفكرة وعمق أثرها.
ويستحضر الكاتب في هذا السياق قصة عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي كاري موليس، صاحب تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR)، التي أحدثت تحولًا كبيرًا في الطب والوراثة والطب الشرعي، وحصل عنها على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1993. ويرى أن تجربة موليس تفتح سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين الإنتاج العلمي وقيمة الاكتشاف؛ فالعلم، في جوهره، لا يُقاس بكثرة الأوراق بقدر ما يُقاس بجدة الفكرة وأثرها في المعرفة.
من «انشر أو تهلك» إلى عبادة الأرقام
ينتقل المقال إلى نقد الثقافة الأكاديمية التي باتت تُعرف عالميًا بشعار «انشر أو تهلك»، حيث تُقاس مسيرة الباحث من خلال مؤشرات كمية متعددة، من بينها عدد الأبحاث المنشورة والاستشهادات والمشروعات البحثية.
ويستند الكاتب إلى ما يطرحه بيتر فليمنج في كتابه «الأكاديمية المظلمة: كيف تموت الجامعة»، من نقد للتحولات التي شهدتها المؤسسات الجامعية، وما رافقها من تنامي البيروقراطية والاعتماد المتزايد على مؤشرات الأداء، بما قد يحول الأستاذ الجامعي من باحث ومفكر إلى طرف في منظومة تقيس النجاح بالأرقام.
كما يتوقف عند ظاهرة سحب الأبحاث العلمية، وما تثيره من أسئلة حول جودة النشر العلمي وآليات التحكيم، معتبرًا أن تضخم الإنتاج البحثي لا يعني بالضرورة تضخم المعرفة، وأن الفجوة بين كثرة المنشور وقيمة المنشور تستحق مراجعة جادة.
الذكاء الاصطناعي يدخل المختبر
وفي الجزء الأكثر اتصالًا بالتحولات الراهنة، يصف عبد الغني تجربته مع أدوات الذكاء الاصطناعي المخصصة للمساعدة في البحث العلمي، والتي باتت قادرة على البحث عن المواد العلمية وتنظيمها واقتراح الموضوعات والفروض والأسئلة.
ويرى أن هذه الأدوات تقدم إغراءً واضحًا بالإنتاج السريع، لكنها تطرح في المقابل سؤالًا أساسيًا: إذا أصبحت الآلة قادرة على إعداد جانب كبير من العمل البحثي، فما الذي يتبقى للباحث؟
ويشير الكاتب إلى أن تجربة استخدام الذكاء الاصطناعي في اقتراح موضوعات بحثية تكشف أحيانًا عن إعادة إنتاج لأفكار سبق تناولها، وإن جاءت في سياقات أو صيغ مختلفة. كما يحذر من أن الأدوات الذكية تعتمد في كثير من الحالات على المحتوى والمعارف المتاحة أصلًا، بما يجعل قضية التحيز والأخطاء والهلوسة العلمية حاضرة بقوة.
الترجمة.. حين تخطئ الآلة في أبسط التفاصيل
ولا تقتصر أسئلة الكاتب على البحث العلمي، بل تمتد إلى الترجمة، مستحضرًا تجربته في ترجمة كتاب «المواطنة والتعليم في فلسفة رولز»، ومشيرًا إلى أن الترجمة ليست مجرد نقل آلي للكلمات، وإنما عملية تتطلب فهمًا عميقًا للنص وسياقه ودلالاته.
ويستشهد بتجربة مراجعة ترجمة آلية لملخص أطروحة دكتوراه في التمريض، اكتشف خلالها خطأ في ترجمة نسبة مئوية، إذ ترجمت الأداة عبارة «Two Fifths» إلى «ثلثين» بدلًا من «خمسين». ويستخدم هذه الواقعة للدلالة على أن سرعة الآلة لا تعني عصمتها من الخطأ، حتى عندما يتعلق الأمر بمعلومة رقمية تبدو بسيطة.
الحاسبة.. درس من الماضي
يقارن عبد الغني بين المخاوف الراهنة من الذكاء الاصطناعي والمخاوف التي رافقت دخول الحاسبات إلى التعليم. ويستحضر الاحتجاجات التي شهدتها الولايات المتحدة عام 1986 اعتراضًا على توظيف الحاسبات في تعليم الرياضيات، قبل أن تصبح هذه الأدوات جزءًا من العملية التعليمية.
ومن خلال كتاب «تعليم رديء: تفكيك الخرافات الرائجة في التعليم»، يخلص إلى أن القضية لم تكن في وجود الحاسبة، وإنما في كيفية استخدامها، وأن تنظيم استخدامها وتوظيفها في خدمة التعلم يمكن أن يجعلها أداة نافعة بدلًا من النظر إليها بوصفها تهديدًا.
وهنا يطرح المقال سؤالًا مشابهًا بشأن الذكاء الاصطناعي: هل سيكون مجرد أداة جديدة، مثل الحاسوب والحاسبة، يتعلم الإنسان كيفية استخدامها بحكمة؟ أم أن طبيعته المختلفة تستدعي مراجعة أعمق لمفهوم التعلم وإنتاج المعرفة؟
الخطر في فقدان رحلة التعلم
يعود الكاتب إلى تجربته الشخصية في بداية رحلته البحثية، حين اكتشف أن البحث العلمي ليس مجرد جمع فقرات من المراجع وترتيبها، وإنما قراءة واستيعاب وهضم وتحليل للتراكم المعرفي، ثم البحث عن الفجوات التي يمكن للباحث أن يضيف إليها.
ومن هنا يستعيد مقولة إسحاق نيوتن الشهيرة عن الوقوف على أكتاف العمالقة، بوصفها تعبيرًا عن العلاقة بين المعرفة الجديدة وما راكمه السابقون.
لكن الذكاء الاصطناعي، كما يرى عبد الغني، يمكن أن يختصر هذه الرحلة كلها؛ إذ يكفي أن يقدم الباحث فكرة أو عنوانًا لتتكفل الأداة ببناء جانب كبير من العمل. وفي ذلك توفير للوقت والجهد، لكنه يفتح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا خسر الباحث في المقابل؟
يجيب الكاتب بأن الخسارة المحتملة هي التعلم نفسه؛ فالإنسان لا يتعلم فقط من النتيجة النهائية، وإنما من مشقة الوصول إليها، ومن القراءة والتحليل والخطأ والمراجعة والصبر.
ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل بنا؟
ينتهي المقال إلى أن السؤال الأعمق ليس: «ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل لنا؟»، وإنما: «ماذا يمكنه أن يفعل بنا؟».
فإذا تمكنت أدوات الذكاء الاصطناعي من مساعدة الباحث المبتدئ على اكتساب مهارات القراءة والاستيعاب والتحليل والنقد، وليس فقط تسهيل عملية الإنتاج، فإنها قد تفتح بابًا لثورة تعليمية حقيقية. أما إذا أغرته بالنتائج السريعة والجاهزة، فقد تحرمه من رحلة التعلم بما فيها من مشقة ومتعة.
وهكذا يصبح التحدي الحقيقي مرتبطًا بفلسفتنا في التعليم وبكيفية تصميم أنظمة تقييم تحمي جوهر العملية المعرفية، بحيث تظل الأسئلة الحقيقية والفضول والصبر على التعلم وقودًا للعلم، ولا تتحول المعرفة إلى سباق لا ينتهي من الأرقام.
فهل يصبح الذكاء الاصطناعي أداة نافعة في يد الإنسان، أم قوة تزيح الإنسان تدريجيًا عن موقعه في عملية إنتاج المعرفة؟ يرى عبد الغني أن الإجابة لن تأتي من التقنية وحدها، بل من الطريقة التي نختار بها استخدامها، ومن قدرتنا على الحفاظ على الإنسان في قلب العملية التعليمية والمعرفية.
