النادي الثقافي العربي - الشارقة
الأخبار13 أبريل 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

الشارقة: كيف تعيد الثقافة وصل ما انقطع عربيًا؟

الشارقة: كيف تعيد الثقافة وصل ما انقطع عربيًا؟

الشارقة – محمد فال معاوية

في عالم تتراجع فيه الحدود الصلبة لصالح التأثير الرمزي، لم يعد النفوذ يُقاس بالقوة العسكرية أو الاقتصادية فحسب، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة وصياغة الوعي. في هذا السياق، يبرز مفهوم القوة الناعمة بوصفه أداة مركزية في إعادة تشكيل الحضور الدولي.

ضمن هذا التحول، تقدم الشارقة نموذجًا عربيًا لافتًا في توظيف الثقافة كوسيلة تأثير تتجاوز الجغرافيا، لتصل إلى الفضاء العربي الأوسع وتمتد إلى دوائر دولية متعددة.

نموذج ثقافي يتجاوز الجغرافيا

على مدار عقود، عملت الشارقة على بناء مشروع ثقافي عابر للحدود، عبر شبكة من الفعاليات والبرامج التي امتدت إلى عدد من الدول العربية، من بينها مصر والمغرب وتونس والأردن وموريتانيا.

ولا يمكن قراءة هذا التوجه بوصفه نشاطًا ثقافيًا فحسب، بل باعتباره محاولة لإعادة ربط المجال الثقافي العربي، الذي يعاني من تباعد التجارب وضعف التفاعل، رغم وحدة اللغة والمرجعية.

وفي هذا السياق، برزت المهرجانات الشعرية التي تنظمها الشارقة في عدد من العواصم العربية، ليس بوصفها منصات لعرض النصوص فقط، بل كمساحات حوار حي تعيد إحياء تقاليد اللقاء الثقافي، وتدعم تبادل الخبرات بين المبدعين.

أما مبادرة “بيوت الشعر”، فتمثل تحولًا مهمًا من الفعل الثقافي الموسمي إلى العمل المؤسسي المستدام، من خلال إنشاء فضاءات دائمة تحتضن الشعراء وتدعم استمرارية الإنتاج الثقافي.

وفي هذا السياق، تبرز المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عام 2015، بوصفها مشروعًا ثقافيًا نوعيًا يعيد الاعتبار للشعر في المشهد العربي.

ولم تقتصر المبادرة على توفير منصات للعرض، بل أسهمت في بناء بيئة ثقافية مستدامة، في وقت افتقر فيه الحراك الثقافي العربي، خلال العقود الماضية، إلى مشاريع مماثلة من حيث الاتساع والاستمرارية، بما يعزز حضور الشعر كأحد مكونات الهوية العربية ويقربه من الجمهور.

من العالم العربي إلى العمق الإفريقي

لم يتوقف المشروع الثقافي للشارقة عند حدوده العربية، بل امتد إلى إفريقيا، حيث أُطلقت منذ عام 2022 ملتقيات للشعر العربي في عدد من الدول الإفريقية.

وتكشف هذه المبادرات عن حضور ثقافي عربي عميق في القارة الإفريقية، ظل لعقود خارج دائرة الضوء الإعلامي، رغم جذوره التاريخية الممتدة لقرون، مع انتشار اللغة العربية وازدهارها في ممالك مثل مالي وغانا والسنغال.

وتسهم هذه اللقاءات في إعادة إدماج هذا الامتداد الثقافي ضمن المشهد العربي، وتوسيع مفهوم “المجال الثقافي العربي” ليشمل امتداداته التاريخية خارج حدوده السياسية، بما يعكس استعادة عمق حضاري ظل مهمشًا لفترات طويلة.

دبلوماسية ثقافية بصيغة مؤسسية

تعتمد الشارقة في مشروعها على ما يمكن تسميته بـ“الدبلوماسية الثقافية”، من خلال تنظيم معارض وفعاليات وجوائز ثقافية على المستوى الدولي، بما يعزز حضور الثقافة العربية عالميًا.

ويستند هذا التوجه إلى بنية مؤسسية متكاملة، إذ يشكل معرض الشارقة الدولي للكتاب أحد أبرز روافد دعم صناعة النشر وتعزيز انتشار الكتاب العربي، فيما تلعب مؤسسة الشارقة للفنون دورًا محوريًا في دعم الفنون المعاصرة وربطها بسياقها العربي.

ولا يقتصر المشروع على الفعاليات، بل يمتد إلى إعادة طرح سؤال الهوية الثقافية في ظل العولمة، عبر تحقيق توازن دقيق بين حماية التراث والانفتاح على العالم.

كما يبرز توجه متصاعد نحو تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي منتج، من خلال دعم الصناعات الثقافية وتنظيم الفعاليات الكبرى، بما يعزز الاستدامة ويكرّس الثقافة كقوة تنموية.

تأثير متنامٍ

أسهمت تجربة الشارقة في تنشيط الحراك الثقافي العربي، وتعزيز التواصل بين المثقفين، وفتح آفاق جديدة للإبداع، إلى جانب إعادة إحياء الامتداد الثقافي العربي في إفريقيا.

وفي ظل التحول الرقمي وتغير أنماط استهلاك المحتوى، يمكن لهذا الوصول إلى جمهور أوسع خارج النخب الثقافية، وذلك عبر المنصات الرقمية، التي تواكب تحولات سلوك الجمهور، دون التفريط في العمق الثقافي.

تمثل تجربة الشارقة محاولة متقدمة لإعادة توظيف الثقافة في المجال العربي، ليس فقط كأداة تعبير، بل كوسيلة لإعادة بناء الروابط وتعزيز الحضور الدولي.

ورغم التحديات، فإن هذا النموذج يفتح الباب أمام سؤال محوري: هل تستطيع الثقافة أن تتحول إلى قوة عربية فاعلة تعيد تشكيل الوعي في زمن التحولات الكبرى؟

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.