كأس رومانية تغيّر لونها تكشف سرّاً حيّر العلماء 1600 عام

لم يكن تغيّر لون الكأس الرومانية المعروفة باسم «كأس ليكورغوس» مجرد خدعة بصرية؛ فقد ظلّ هذا الأثر، الذي يعود إلى القرن الرابع الميلادي، لغزاً أمام مؤرخي الفن وصنّاع الزجاج، إلى أن نجح فريق من جامعة شيفيلد البريطانية في إعادة إنتاج تأثيره اللوني باستخدام وصفة مستوحاة من الزجاج القديم.
وتبدو الكأس المحفوظة في المتحف البريطاني خضراء مائلة إلى لون اليشم تحت الضوء المنعكس، لكنها تتحول إلى الأحمر الياقوتي عند إضاءتها من الخلف. ويعود هذا الاختلاف إلى سلوك الضوء عند مروره عبر الزجاج أو انعكاسه عنه، في ظاهرة بصرية استثنائية أتقنها الحرفيون الرومان قبل نحو 1600 عام.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 25 أكتوبر 2026، استعادت الباحثة ليزا هولاندز، بالتعاون مع كارولين جاكسون، المتخصصة في الزجاج الروماني، التقنية التي تتيح إنتاج هذا التأثير، من خلال دمج جسيمات نانوية دقيقة من الذهب والفضة داخل الزجاج المنصهر.
وتتكوّن هذه الجسيمات أثناء تبريد الزجاج الذي تُصهر مكوناته عند درجات تتجاوز ألف درجة مئوية. وعندما يمر الضوء عبر المادة، تسهم الجسيمات في حجب بعض الأطوال الموجية، ولا سيما الزرقاء والخضراء، فتظهر درجات الأحمر والبرتقالي. أما الضوء المنعكس، فيمنح الزجاج مظهره الأخضر المعتم.
ولا تكمن أهمية التجربة في استعادة مظهر قطعة أثرية فحسب، بل في إلقاء ضوء جديد على المهارة التقنية التي امتلكها صناع الزجاج في العصور القديمة. فالوصول إلى درجات اللون المطلوبة كان يتأثر بظروف الصهر وموقع الزجاج داخل الفرن، ما يجعل ضبط العملية أمراً بالغ الصعوبة حتى وفق المعايير الحديثة.
وتحمل الكأس زخارف بارزة تستحضر أسطورة الملك ليكورغوس وصراعه مع ديونيسوس، إله الخمر في الميثولوجيا اليونانية. وقد عُدّت عام 2022 واحدة من عجائب الزجاج السبع في العالم، وفق لجنة دولية من الفنانين والمرممين.
ولإظهار التأثير البصري في عمل معاصر، استعانت جامعة شيفيلد بفنان الزجاج إليوت ووكر لصنع منحوتة تستلهم الكأس القديمة، تجمع بين حكايتها الأسطورية وتكوين فني جديد. ومن المقرر عرض العمل في معرض ميلينيوم بمدينة شيفيلد خلال الفترة من 6 إلى 15 نوفمبر المقبل، قبل نقله إلى متحف تيرنر للزجاج.
وتتجاوز دلالة الاكتشاف حدود الإعجاب بأثر نادر؛ فهو يذكّر بأن القطع الفنية القديمة تختزن معارف عملية لا تزال قابلة للاكتشاف، وأن دراسة التراث المادي قد تفتح مسارات جديدة لفهم العلاقة بين الحرفة والتجربة العلمية.
