النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات20 مايو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي.. مشعل ثقافي متواصل

مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي.. مشعل ثقافي متواصل

محمد ولد محمد سالم

انطلقت يوم الخميس 21 مايو الدورة التاسعة لـ«مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي» الذي تنظمه إدارة المسرح في دائرة الثقافة في الشارقة، والذي أصبح محطة مسرحية سنوية تلتقي فيها نخب من الفرق والمسرحيين العرب، لتقديم آخر إبداعاتهم في نمط خاص من أنماط المسرح، وقد انطلق هذا المهرجان عام 2016، في دبا الحصن الهادئة الجميلة والعريقة، ليضيف مشهدا ثقافيا حيا إلى مشهد هذه المدينة الثراثي، على غرار أخواتها من مدن الشارقة التي تستأثر كل واحدة منها بمهرجان مسرحي خاص بها.

جاء مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي للحفاظ على هذا النمط الدرامي الخاص، ويحمل مشعله في وقت تتراجع فيها الأنشطة المسرحية في الوطن العربي، ويعنى المهرجان بضرب من الأداء المسرحي تبلور على المستوى العربي في العقدين الماضيين بشكل خاص، وهو مسرح الثنائيات، أو ما يعرف بالديودراما الذي يعتمد على المواجهة الأدائية القائمة بين ممثلين فقط، فقد كثرت في العقدين الماضيين الأعمال من هذا النمط، وأصبح المخرجون يميلون إليه مما جعله ظاهرة تستحق أن تفرد لها مهرجانات، وجاء هذا المهرجان في إطار سعي دائرة الثقافة المستمر إلى الاحتفاء بمختلف الظواهر المسرحية، وفتح الباب أمام الفنان الإماراتي لتجريب مختلف الأنواع المسرحية، ذلك السعي الذي نظم في إطاره مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، ومهرجان خورفكان المسرحي ومهرجان المسرح الكشفي ومهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة، وغيرها من أشكال العروض الأدائية التي تشرف عليها إدارة المسرح.

يقوم مسرح الثنائيات على ممثلين فقط يلعبان الأدوار على الخشبة ويدخلان في حوار متواصل عبر مشاهد العرض، ويعتمد نجاح العرض بشكل كبير على قدرتهما معاً على تجسيد الشخصيتين وما يعتريهما من تحولات نفسية ناجمة عن التصاعد الدرامي، وما يتبع ذلك من أوضاع حركية وصوتية، وحين يعجز أحد الطرفين عن أداء الشخصية بشكل جيد فإنه يخل بالعرض كله، تماماً، كما يحدث عندما يكون البطل في المونودراما أو في الدراما العادية مختل الأداء فينزل بالعرض، ويؤدي إلى عدم نجاحه.تقع عروض مسرح الديودراما بين الدراما العادية والمونودراما، فهي من ناحية تحاكي الدراما العادية لأن فيها ممثلين يلعبان الدور ويجري بينهما حوار متصاعد، ويدخلان في صراع خارجي يحاول كل منهما أن يكون الفائز فيه، وهي من ناحية أخرى تشبه المونودراما كونها تعتمد في جانب منها على البوح والتداعي الحر لأفكار الشخصية، حيث تؤدي المواجهة في أغلب الأحوال إلى استبطان ذاتي تستذكر فيه الشخصية ماضيها أو تبرر به أفعالها، ومواقفها من الشخصية الأخرى، كما يفعل فنان المونودراما الذي يطور صراعاً ذاتياً عن طريق الاستبطان العميق لخبايا ذاته، واستثارة لا شعوره لكي يتحدى شعوره، فيتحرك الصراع نحو الأمام.

وهذه الميز الوسطية هي التي تعطي للمسرح الثنائي خصوصيته، وتجعله جديراً بالاهتمام، في عصر أصبحت فيه الدراما التلفزيونية تسرق الممثلين من عالم الخشبة، وتبتعد بهم عنها، نظراً لما تقدمه لهم من إغراءات مادية ومن شهرة وجماهيرية، أصبح الإقبال على التمثيل للمسرح نادراً، ولا يقوم به إلا قلة لا يزالون يعرفون للمسرح قيمته، ويرتبطون بالخشبة ارتباط العاشق بمحبوبته، وفي ظل هذا الواقع أصبح المنتجون والمخرجون مضطرين إلى اللجوء إلى المسرح الثنائي لانخفاض تكلفته من جهة، فما يكلفه ممثلان لا يداني ما يكلفه عدد كبير من الممثلين، كما أنهم يستثمرون فيه تلك الخاصية الوسطية التي تجمع بين نمطي المسرح «الدارمي والمونودرامي»، ما يجعلهم مطمئنين إلى الحصول على ثقة الجمهور، وجماهيرية العرض التي يوفرها تنوع واختلاف الشخصيات في العروض المتعددة التمثيل، وهو ما يصعب ضمانه في العروض المونودرامية لأنها لا تكفل ذلك التنوع في الشخصيات، وإدراك الصراع الذاتي فيها يحتاج إلى صبر وقدرة على الاكتشاف وإدراك الرمزية الأدائية للممثل الوحيد، وهو ما لا يستطيعه المشاهد العادي.

هذا التوجه المتنامي إلى الديودراما أصبح تحدياً فنياً إبداعياً على عدة مستويات، تبدأ بالكتابة، فالدراما العادية التي تسمح بتعدد الأصوات تعطي للكاتب رحابة في رسم الشخصيات وسهولة في تكييف الحوار مع كل شخصية ومواقفها، وفي المونودراما تسمح تقنية التداعي الحر الذي يخضع لمنطق الإحساس وحده، بتناقضاته وتنوع فضاءاته وسهولة انتقالاته، تسمح له بحرية التحرك والانتقال من وضع نفسي وأسلوبي إلى آخر، أما في الديودراما فهو في مواجهة اعتبارات خيارين فقط، هما تلك الشخصيتان اللتان يرسمهما على الورق، فيستبعد برسمهما كل ما يخالفهما من الشخصيات، وعليه في الآن نفسه أن يجعلهما أثناء الحوار يتقمصان أوضاع تلك الشخصيات الغائبة، فكيف يقوم بذلك من دون تناقض أو إخلال بمنطق المسرحية؟، إن ذلك يحتاج إلى حنكة وقدرة إبداعية عالية، وعلى مستوى التمثيل يقع الشيء ذاته، فعلى الممثل أن يكون قادراً على اقتفاء تلك الأوضاع التي رسمها المؤلف للشخصية، وأن يؤديها بكل تعارضاتها من دون أن يخل بالملامح العامة المرسومة لهذه الشخصية، وهو تحدٍّ كبير، وهذا يظهر أيضاً كم هو ذلك التحدي الذي يواجهه المخرجون ومساعدوهم في تهيئة الظروف واختراع الحلول المناسبة للعرض لأن دورها كبير جداً في العرض، حتى إنها قد تلعب دور الشخصيات الأخرى الغائبة عن العرض.

انتشرت ظاهرة المسرحيات الثانائية في الدول العربية وأصبحت كثيرة بحيث استحقت أن تقام لها مهرجانات، خاصة وأن دعمها يسهم في إبقاء جذوة المسرح قائمة، وقد أقيم أول مهرجان عربي لها في السعودية في عام 2012 «ملتقى الأمير فيصل بن خالد المسرحي الأول للديودراما» ونظمته الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بأبها، وفي نفس السنة أيضاً في مصر نظمت جامعة عين شمس مهرجاناً مسرحياً للديودراما، وفي 2015 نظم في البحرين «مهرجان جلجامش للديودراما”.

لقد جاء مهرجان «دبا الحصن للمسرح الثنائي» ليرسخ الظاهرة ويحافظ على استمرارها عربيا -خصوصا وأن المهرجانات المتعلقة بها كانت تظهر سنة ثم تختفي- وليحفز الكتاب والمخرجين والممثلين الإماراتيين على المشاركة في هذا اللون الإبداعي، وكان المسرح الإماراتي قد انخرط في هذه الظاهرة قبل ذلك بسنوات، فشهدت مختلف المسارح والمهرجانات المحلية عروضاً ثنائية من أهمها، مسرحية «الحصالة» لفرقة مسرح بني ياس بأبوظبي، تأليف وإخراج محمد صالح، وتمثيل مرعي الحليان وسميرة الوهيبي، اللذين فازا بجائزتي أفضل ممثل وممثلة في الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية 2014، وفي نفس السنة فازا أيضاً بجائزتي أفضل ممثل وأفضل ممثلة وتنويه خاص ضمن فعاليات الدورة الثانية لمهرجان فكيك للمسرح المحترف بالمغرب الذي اشتركت فيه «الحصالة»، وهو ما يعني نجاح العرض وامتيازه لأن الأداء أساسي في مثل هذه العروض، وفي نفس السنة أيضاً قدم مسرح دبي الشعبي مسرحية «لو باقي ليلة» من تأليف مرعي الحليان وإخراج أحمد الأنصاري، واشترك في بطولتها عبد الله صالح وعائشة عبد الرحمن، وكان أداؤهما متميزاً واستطاعا أن يحافظا على إيقاع العمل متصاعداً مع تصاعد التوترات النفسية وتقلبات الصراع، وبينت تلك التجارب عن إمكانيات كبيرة للفنان المسرحي الإماراتي وقدرته على خوض مختلف التجارب، وعلى مستوى المهرجانات الشبابية كانت هناك عدة عروض من هذا القبيل في مهرجان دبي لمسرح الشباب ومهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة ومهرجان المسرح الجامعي.

لقد رسخ المهرجان ظاهرة المسرح الثنائي وحافظ عليها مستمرة ونمى قدرات الممثلين والمسرحيين العربي في هذا اللون المسرحي، كما حفز المسرحيين الإماراتيين ونمى قدراتهم في مجال، حيث حافظت الإمارات على مشاركة سنوية دائمة في عروض المهرجان، ومنها مسرحية “الجزيرة” ومسرحية «أسكوريال» ومسرحية «فردة دماغ» و”ما زال الثلج يسقط” و«حدث ذات مرة» و”بعض الأشياء” و”17 ساعة”، وفي دورة هذا العام تشارك مسرحية “أصابع الياسمين”، وقد تألق فيه مسرحيون إماراتيون عديدون منهم إبراهيم سالم ومرعي الحليان وعبد الله مسعود وجمال السميطي وإبراهيم القحومي وسعيد الهرش وإلهام محمد.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.