هل يقرأ الجيل الجديد بطريقة مختلفة؟

باسل نادر الرفاعي
سؤال يتكرر كلما أُثيرت علاقة الشباب بالكتب، لكنه ربما يخفي سؤالاً أعمق: كيف يقرأ الجيل الجديد العالم من حوله في زمن تتزاحم فيه الشاشات مع النصوص، والصورة مع الكلمة، والمعرفة مع السرعة؟
في كل مرة يُطرح فيها هذا السؤال، يتكرر المشهد ذاته: شكاوى من تراجع الإقبال على الكتب، وتحذيرات من هيمنة المنصات الرقمية، وحنين إلى زمن كانت فيه المكتبة مركز الحياة الثقافية. غير أن الإشكال الحقيقي قد لا يكون في غياب القراءة، بل في تحوّل شكلها ووظيفتها وإيقاعها.
فالقراءة لم تختفِ، لكنها تغيّرت. وما يبدو لكثيرين تراجعاً في علاقتنا بالكتاب قد يكون في جوهره انتقالاً من نموذج ثقافي إلى آخر، ومن عادات معرفية استقرت لعقود إلى أنماط جديدة تشكّلت داخل بيئة رقمية مختلفة جذرياً.
لقد نشأت أجيال سابقة في عالم كانت المعرفة فيه تتحرك ببطء. كان الوصول إلى المعلومة يتطلب كتاباً أو مجلة أو زيارة مكتبة، وكانت القراءة تجربة ممتدة تتطلب الصبر والتركيز والوقت. أما اليوم، فإن الجيل الجديد يعيش داخل تدفق هائل من المعلومات، يتسرب إليه عبر الهاتف، والشاشات، والمقاطع القصيرة، والمنصات الرقمية التي لا تتوقف.
في هذا السياق المتسارع، لم يعد النص الطويل هو الشكل الوحيد لاكتساب المعرفة. فالشاب الذي يتابع محاضرة علمية عبر منصة رقمية، أو يقرأ مقالاً تحليلياً على هاتفه، أو يستمع إلى كتاب صوتي أثناء تنقله، يمارس شكلاً من أشكال القراءة، حتى وإن اختلف عن الصورة التقليدية المرتبطة بالكتاب الورقي.
لكن هذا التحول يفتح أسئلة أكثر تعقيداً. فبين القراءة التي تمنح الفهم، والقراءة التي تمنح الانتباه العابر، مساحة واسعة من التباين. وبين النص الذي يُقرأ بتأنٍ، والنص الذي يُستهلك بسرعة، تتحدد طبيعة العلاقة الجديدة مع المعرفة.
لقد أعادت التكنولوجيا تشكيل عادات القراءة بقدر ما أعادت تشكيل نمط الحياة نفسه. فالمستخدم المعاصر لا يقرأ النصوص بالضرورة من بدايتها إلى نهايتها، بل يتنقل بينها بسرعة، ويقفز من فكرة إلى أخرى، ومن رابط إلى آخر، في بيئة تتنافس فيها المنصات على جذب الانتباه باعتباره مورداً نادراً.
لهذا السبب، لم تعد الإشكالية في “هل نقرأ أم لا نقرأ؟”، بل في طبيعة ما نقرأه وكيف نقرأه. فالمجتمعات المعاصرة تنتج كماً هائلاً من المحتوى، لكنها لا تضمن بالضرورة عمق الفهم أو جودة الاستيعاب. فقد أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى، لكن التمييز بين المعرفة السطحية والمعرفة العميقة بات أكثر صعوبة.
ومن المفارقات أن الجيل الذي يُتهم أحياناً بالابتعاد عن الكتب يمتلك قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى مصادر المعرفة. فخلال دقائق، يمكن لأي شاب أن يطّلع على مقالات أكاديمية، أو يقرأ كتباً رقمية، أو يتابع محتوى معرفياً من مختلف أنحاء العالم، وهي إمكانات لم تكن متاحة للأجيال السابقة بهذا الاتساع أو السرعة.
غير أن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة عمقها. فالتدفق الهائل للمعلومات قد يتحول إلى حالة من التشويش، حيث تتجاور الحقائق مع الشائعات، والمحتوى الرصين مع المواد السطحية، داخل الفضاء الرقمي ذاته.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة تعريف مفهوم القراءة نفسه. فالمسألة لم تعد تقاس بعدد الكتب المقروءة، بل بقدرة القارئ على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، وبناء فهم متماسك للعالم.
وربما يكمن الخطأ في مقارنة الجيل الجديد بمعايير أجيال سابقة دون الانتباه إلى اختلاف السياقات. فلكل عصر أدواته الثقافية، ولكل جيل طريقته في التفاعل مع المعرفة. وما يُفهم أحياناً بوصفه انقطاعاً عن القراءة، قد يكون في أحيان كثيرة تحوّلاً في شكلها لا في جوهرها.
ومع ذلك، يبقى الكتاب محتفظاً بوظيفة لا يمكن تعويضها بالكامل. ففي خضم الضجيج الرقمي، تمنح القراءة المتأنية مساحة نادرة للتفكير الهادئ، والتأمل، وبناء الأفكار بعيداً عن الإيقاع المتسارع الذي يفرضه العالم الرقمي.
ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة الشباب إلى الماضي، بل في إعادة تعريف العلاقة بين القراءة والتكنولوجيا، بحيث تتحول الأدوات الرقمية إلى بوابة للمعرفة لا بديلاً عنها. فالمستقبل لن يكون للكتاب وحده، ولا للشاشة وحدها، بل للقارئ القادر على الجمع بين عمق القراءة التقليدية واتساع المعرفة الرقمية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل توقف الجيل الجديد عن القراءة؟
بل: كيف يمكن تحويل هذا التدفق الهائل من المعلومات إلى معرفة حقيقية قابلة للفهم والتفكير والإنتاج؟
ذلك أن مستقبل الثقافة لن يُقاس بعدد ما نقرأ، بل بطريقة ما نفكر فيما نقرأ.
