النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات31 مايو 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

كيف تحمي الرواية الإماراتية الذاكرة من النسيان؟

كيف تحمي الرواية الإماراتية الذاكرة من النسيان؟

محمد فال معاوية

بين ما تحفظه الوثائق وما يختزنه الوجدان الإنساني، تنشأ مسافة واسعة لا يستطيع التاريخ التقليدي أن يملأها وحده. فالأحداث الكبرى تُسجَّل في الكتب والأرشيفات، لكن مصائر البشر، وأحلامهم، ومخاوفهم، وتفاصيل حياتهم اليومية غالباً ما تبقى خارج السرد الرسمي. هنا تتقدم الرواية لتؤدي دوراً يتجاوز الحكاية، فتصبح وعاءً للذاكرة، وجسراً يصل الماضي بالحاضر، ويمنح التاريخ وجهاً إنسانياً نابضاً بالحياة.

في معرض وارسو الدولي للكتاب، لم يكن الحوار الذي جمع الروائي الإماراتي ظاعن شاهين والروائي البولندي ويت شوستاك مجرد لقاء بين كاتبين من ثقافتين مختلفتين، بل كان لقاء بين رؤيتين تتقاطعان عند سؤال جوهري: كيف يمكن للرواية أن تحفظ الذاكرة وتعيد قراءة التاريخ بعيداً عن جمود الوثائق وسرديات الأرشيف؟

أعادت الجلسة، التي جاءت ضمن مشاركة الشارقة ضيف شرف المعرض، طرح واحدة من أهم القضايا التي تشغل الأدب المعاصر، وهي العلاقة المعقدة بين التاريخ والرواية. فالتاريخ يسجل الوقائع ويؤرخ للأحداث، لكنه لا يستطيع دائماً أن ينقل نبض الحياة داخل تلك الأحداث، ولا أن يستحضر مشاعر الناس وهواجسهم وتفاصيلهم اليومية. هنا تتدخل الرواية لتسد هذه الفجوة، فتمنح التاريخ بعده الإنساني وتعيد تشكيله في صورة حكاية قادرة على البقاء.

تبدو العلاقة بين الرواية والذاكرة من أكثر العلاقات عمقاً في المشهد الثقافي الإنساني. فالتاريخ، مهما بلغت دقته، يبقى سجلاً للأحداث والوقائع، أما الرواية فتعيد بناء العالم الذي أنتج تلك الأحداث، وتمنح الإنسان العادي مكانه في السرد. إنها لا تكتفي بإخبارنا بما جرى، بل تجعلنا نرى ونشعر ونفهم كيف عاش الناس تلك اللحظات، وكيف تشكلت أحلامهم ومخاوفهم وخيباتهم.

من هنا تنبع القوة الاستثنائية للرواية. فهي لا تتعامل مع الماضي بوصفه مادة جامدة محفوظة في الأرشيفات، بل باعتباره تجربة إنسانية متجددة. وحين ينجح الروائي في استحضار لحظة تاريخية، فإنه لا يعيد إنتاجها كما هي، بل يبعث فيها الروح ويمنحها أبعاداً إنسانية تجعلها قادرة على مخاطبة القارئ مهما ابتعد زمنها أو اختلفت جغرافيتها.

ولعل هذا ما يفسر بقاء بعض الروايات التاريخية حية في الوجدان الإنساني أكثر من كثير من الكتب المتخصصة. فالقارئ قد ينسى تاريخ معركة أو أسماء شخصيات سياسية، لكنه يتذكر دائماً قصة إنسان عاش تلك المرحلة، وأحب وتألم وخسر وانتصر. فالأدب لا يحفظ الحدث وحده، بل يحفظ أثره في النفس البشرية.

وفي التجربة الإماراتية، برزت الرواية خلال العقود الأخيرة بوصفها أحد أهم الوسائل الثقافية لاستعادة الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمجتمع. فقد تحولت إلى مساحة لاستحضار التحولات الكبرى التي عاشتها الدولة، ورصد تفاصيل الحياة اليومية التي قد لا تجد مكاناً في السرديات التاريخية التقليدية. وبفضل هذا الحضور المتنامي، باتت الرواية الإماراتية شريكاً فاعلاً في حفظ الذاكرة الوطنية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بلغة الفن والإبداع.

غير أن العلاقة بين الرواية والتاريخ ليست علاقة نقل أو توثيق فحسب. فالرواية الحقيقية لا تكرر ما تقوله الوثائق، بل تحاورها وتعيد قراءتها وتطرح الأسئلة حولها. إنها تنظر إلى الماضي بعين الإنسان لا بعين السجل، وتبحث عما هو أعمق من الوقائع المجردة؛ تبحث عن المعاني والدوافع والتحولات التي صنعت تلك الوقائع.

ولهذا تبدو الذاكرة في الأدب فعلاً حياً ومتجدداً، وليست مجرد خزان للماضي. فالإنسان لا يستعيد ذكرياته بالطريقة نفسها في كل مرة، بل يعيد تأويلها وفق خبراته الجديدة وتحولاته الفكرية والنفسية. وكذلك تفعل الرواية؛ إذ تمنح الماضي فرصة جديدة للكلام، وتسمح لكل جيل بأن يقرأ تاريخه من زاوية مختلفة.

وفي عالم تتزايد فيه النزعات المنغلقة والصراعات القائمة على الهوية والاختلاف، تكتسب الرواية دوراً إضافياً يتجاوز حفظ الذاكرة. فهي تفتح نوافذ لفهم الآخر، وتكشف أن ما يجمع البشر أكثر بكثير مما يفرقهم. وعندما يقرأ قارئ عربي رواية بولندية، أو يقرأ قارئ أوروبي رواية إماراتية، فإنه لا يكتشف ثقافة جديدة فحسب، بل يكتشف جانباً آخر من التجربة الإنسانية المشتركة.

إن الأدب العظيم لا يلغي الخصوصيات الثقافية، بل يجعلها جسوراً للحوار والتفاهم. ومن خلال هذه القدرة الفريدة تتحول الرواية إلى مساحة يلتقي فيها المحلي بالعالمي، والتاريخي بالإنساني، والذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية.

ورغم التحولات الهائلة التي شهدتها وسائل السرد الحديثة، من السينما إلى المنصات الرقمية والألعاب التفاعلية، ما زالت الرواية تحتفظ بمكانتها الخاصة. ذلك أنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تثير الأسئلة الكبرى حول الإنسان والهوية والزمان والمصير. وهي بهذا المعنى ليست مجرد فن للحكاية، بل وسيلة لفهم العالم وإعادة اكتشاف الذات.

لذلك يمكن القول إن الرواية لا تنقذ التاريخ من النسيان فحسب، بل تنقذ الإنسان نفسه من فقدان صلته بماضيه. فهي تحفظ ما تعجز الوثائق أحياناً عن حفظه: المشاعر والأصوات والأحلام والتفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر التجربة البشرية.

وعندما ينجح الأدب في أداء هذه المهمة، يصبح أكثر من مجرد كتابة؛ بل يتحول إلى ذاكرة حية للأمم، وجسر يمتد بين الماضي والحاضر، وحوار مفتوح مع المستقبل.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.