وتر أخير في فرقة أم كلثوم

محمد الشاذلي
كتب كثيرون عن فرقة أم كلثوم، وبرحيل عازف التشيللو مجدي فؤاد بولص، تجدد الحديث عن أفراد الفرقة الذين غادرونا، والسؤال عمن تبقى منها. والحديث عن هؤلاء لا ينفصل عن سيدة الغناء العربي، وتدرجها من غناء منفرد إلى تكوين تخت ثم فرقة تكبر ويزداد حجمها مع الأيام، ومع التحديث الموسيقي.
كنت ألاحظ دائمًا أن أعضاء الفرقة لا يضعون أمامهم النوتة الموسيقية، من فرط التمكن والذوبان في الصوت الكلثومي الشجي، وعلى الرغم من أنها قد تفاجئهم بأغنية، في وصلتها الثالثة، لم يكن متفقًا عليها من قبل، من بين عشرات الأغاني، التي أدتها في السنوات السابقة. وكان ذلك التقليد متبعًا، وقيل عنه إنها “وصلة” من اختيار الجمهور، واستجابة من أم كلثوم. ولكن من جانب آخر يكشف عن رؤية أم كلثوم لأصول الغناء العربي، التي ظلت تحافظ عليها، وعن ذاكرة موسيقية وتدريب عال متواصل لمجموعة من أمهر العازفين، الذين انخرطوا في بروفات الساعات الطويلة، والتي كانوا كثيرًا ما يشتكون منها.
فكرت في أحوال العازفين، وعلى رأسهم عازف التشيللو ـ والبيانو أيضًا ـ بالفرقة اعتبارًا من “ح أسيبك للزمن” (سنة 1961) مجدي فؤاد بولص، الذي سافر إلى أستراليا، باعتباره أحد الأوتار الأخيرة في فرقة أم كلثوم. وتابعت خبر وفاته ببوابة الأهرام في تقرير جميل للزميل أحمد عادل، ومن موقع الإذاعة الأسترالية التي غطت وفاته.وكان الراحل مجدي أهدى القسم العربي بالإذاعة الأسترالية عزفًا منفردًا من أغنية “بعمري كله حبيتك” لوردة الجزائرية، من ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب.
فالعازف بولص انضم إلى الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن، حتى خلال وجوده في فرقة أم كلثوم، وشارك الفرقة حفلات عبدالحليم حافظ ووردة الجزائرية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة.
والعازفون خلف أم كلثوم احتلوا حيزًا مهمًا في كتاب باحثة أمريكية “فرجينيا دانيلسون”: “صوت مصر أم كلثوم” الصادر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وترجمة عادل هلال عناني لحساب “المشروع القومي للترجمة 475 ـ المجلس الأعلى للثقافة طبعة 2002″، ووجدت من يحكي لها عن أن أم كلثوم تصل إلى المسرح قبل موعد رفع الستار بساعة كاملة على الأقل. كانت “تسير فوق خشبة المسرح جيئة وذهابًا في حركة دائرية، وهي تستمع إلى صوت الجمهور” و”تراقبه من خلف الستار” بينما “يعزف قائد الفرقة تقاسيم على القانون في المقام اللحني الذي كانت على وشك أن تستخدمه في غنائها”.
وتذكر دانيلسون أن فرقة أم كلثوم تتكون من ثلاث فئات متدرجة أولها الفئة التي تعد لب الفرقة، وهي تتكون من أكبر الأعضاء سنا: القصبجي على العود، ومحمد عبده صالح على القانون، وسيد سالم على الناي، وأحمد الحفناوي وكريم حلمي وعبد المنعم الحريري على الكمان، وعباس فؤاد على الكونترباص. وتليها فئة تتكون من ثمانية إلى عشرة من عازفي الكمان واثنين من عازفي التشيللو وكانوا جميعًا يعملون معها بانتظام دون أن يكونوا جزءًا من دائرة المتعاملين معها المقربين. أما الفئة الثالثة والأخيرة فتضم الموسيقيين الذين تستعين بهم لفترات قصيرة لا تزيد في بعض الأحيان على حفلة واحدة أو أغنية واحدة وذلك إذا ما اقتضى الأمر. وأنها كانت تقدر عازفيها، ولا تسعى إلى استبدالهم إلا بعد وفاتهم.
ويبدو أن العلاقة مع عازفي فرقتها اتسمت بالود، وقد تكون شاركت في مناسبات اجتماعية تخصهم، وقرأت في كتاب إلهام شعبان “كوكب الشرق” (طبعة 2002 ـ توزيع الأهرام) أن محمد الدسوقي ابن شقيقتها حاول مرارًا عمل صلح بين أم كلثوم وعبد الحليم، وكانت ترفض دائما، حتى يوم حضرت أم كلثوم حفل زواج عازف الجيتار في فرقتها عمر خورشيد، وكان عبدالحليم هناك، وما إن رآها حتى جرى نحوها، وقبل يديها، وهي قبلت وتم الصلح.
ومن كتاب إلهام شعبان: كانت أم كلثوم تجري بروفات أغانيها في بداية حياتها الفنية في شارع الخليج المصري (بورسعيد الآن) في بيت القصبجي الذي يعيش فيه مع أشقائه. وكانت تسهر بعد انتهاء البروفات مع أحمد الحفناوي ومحمد المهدي وغيرهما في نفس مكان البروفات، وكانت المناقشات تدور دائمًا بينها وبين الملحن والعازفين لتعرف رأيهم في اللحن وملاحظاتهم عليه.
كانت أم كلثوم تعزف على العود مع فرقتها، وتقول د.رتيبة الحفني في كتابها (أم كلثوم معجزة الغناء العربي ـ دار الشروق 1994) أن د. أحمد صبري النجريدي (طبيب هاو) علمها في البداية العزف على العود، ثم إبراهيم القباني، فمحمد القصبجي واخيرًا داود حسني، وظلت تمسكه في حفلاتها وسط التخت مطلع الثلاثينات، ثم تركته، ليعزف به القصبجي حتى النهاية، والقصبجي هو الوحيد الذي كان ملحنًا لها وعازفًا في فرقتها.. ويظل القصبجي كما تقول الحفني، خلف أم كلثوم، يستند إلى عوده، على يسارها، صامتًا واجمًا، من دون أي تعبير. حتى طلبت منه الست أن يستريح، وترسل له أجره عن كل حفلة، لكنه رفض، وصمم على العمل معها حتى آخر يوم في حياته.
- نقلا عن الأهرام
