النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات22 أغسطس 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

معارض الكتب.. هل نشتري الكتب أم شعورنا بالثقافة؟

معارض الكتب.. هل نشتري الكتب أم شعورنا بالثقافة؟

محمد فال معاوية

في معارض الكتب، لا يلفتني دائمًا عدد الكتب التي يحملها الزوار، بقدر ما يلفتني سؤال لا يظهر في الصور: كم من هذه الكتب سيُفتح فعلًا بعد أن تهدأ أضواء المعرض؟

مشهد يتكرر في مدن عربية كثيرة: آلاف الزوار، وأرفف طويلة، وعناوين لا تنتهي، وأكياس تحمل كتبًا كثيرة، وصور أمام الأجنحة، ووجوه تغادر المكان محمّلة بشيء من الحماس.

ثم تمر أيام أو أسابيع، ويعود السؤال نفسه: ماذا بقي من ذلك الحماس؟

ليس السؤال اتهامًا لزوار المعارض، ولا تقليلًا من قيمة هذه المناسبات. على العكس، أصبح معرض الكتاب في كثير من المدن العربية موعدًا ثقافيًا واجتماعيًا ينتظره الناس، ومناسبة تخرج فيها القراءة من الرفوف المغلقة إلى المجال العام.

لكن ربما نحتاج إلى سؤال أكثر إزعاجًا: هل نذهب إلى معرض الكتاب لأننا نريد القراءة، أم لأننا نريد أن نشعر بأننا جزء من عالم القراءة؟

الفرق بين الأمرين كبير.

شراء الكتاب لحظة، أما قراءته فهي علاقة. قد يشتري الإنسان عشرة كتب لأنه أعجب بعناوينها أو أغلفتها، ثم يكتشف بعد أشهر أنه لم يمنح أيًّا منها الوقت الكافي. وقد يشتري كتابًا واحدًا فقط، لكنه يقرأه ببطء، ويعود إلى صفحاته، ويناقش أفكاره، ثم يكتشف أنه غيّر شيئًا في طريقته في النظر إلى العالم.

لهذا، لا يمكن قياس أثر معرض الكتاب بعدد النسخ المباعة وحده، كما لا يمكن اختزال نجاحه في حجم الإقبال أو عدد الصور التي يلتقطها الزوار بين الأجنحة.

القيمة الأعمق للمعرض أنه يجعل الكتاب حاضرًا في المجال العام. يجعل العائلة تتحدث عن القراءة، ويضع الطفل أمام آلاف العناوين، ويمنح القارئ فرصة للقاء كاتب، ويتيح للناشر أن يكتشف قارئًا جديدًا، ويمنح الكتاب فرصة لأن يكون جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد عنوان على رف بعيد.

المعرض، بهذا المعنى، ليس سوقًا للكتب فقط، وإنما مساحة اجتماعية للثقافة.

لكن هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: يمكن للإنسان أن يشارك في طقوس الثقافة من دون أن يعيش الثقافة فعلًا. يمكنه أن يزور المعرض، ويشتري الكتب، ويلتقط الصور، ويتابع حفلات التوقيع، ويتحدث عن العناوين الجديدة، ثم يعود إلى حياته من دون أن يفتح كتابًا واحدًا.

ليست المشكلة في هذه الطقوس بحد ذاتها؛ فهي جزء من المشهد الثقافي، وقد تكون بوابة مهمة إلى القراءة. المشكلة تبدأ عندما تتحول صورة الثقافة إلى بديل عن ممارسة الثقافة.

فالثقافة ليست ما نقتنيه فقط، وإنما ما نسمح له بأن يغيّرنا.

ومن هنا يبرز تحدٍّ جديد أمام المؤسسات الثقافية: كيف نحول زائر المعرض إلى قارئ دائم؟

ربما تبدأ الإجابة من خارج المعرض نفسه.

أن تكون هناك برامج قراءة مستمرة، ونوادٍ للكتاب، ومبادرات تمتد إلى المدارس والجامعات، ومساحات مخصصة للشباب، ومحتوى رقمي يرافق الكتاب بعد انتهاء المعرض، وأن يجد القارئ من يشجعه على العودة إلى الكتاب بعد أن تنتهي أجواء الفعاليات وتغلق الأجنحة أبوابها.

فالكتاب الذي يغادر المعرض داخل حقيبة يحتاج إلى طريق آخر كي يصل إلى حياة صاحبه.

وهنا يمكن لمعرض الكتاب أن يتجاوز فكرة الموسم السنوي إلى بناء عادة ثقافية تمتد طوال العام. فالمعرض الحقيقي لا ينتهي عندما يغادر آخر زائر قاعاته، وإنما يبدأ أثره عندما يفتح أحدهم الكتاب الذي اشتراه، ويقرأ صفحاته، ثم يبحث عن كتاب آخر.

وفي الشارقة، حيث أصبح معرض الكتاب واحدًا من أبرز المواعيد الثقافية العربية والدولية، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث للكتاب بعد أن يغادر المعرض داخل حقيبة القارئ؟

هل يتحول الحماس المؤقت إلى عادة؟ هل تتحول الكتب المشتراة إلى كتب مقروءة؟ وهل يتحول الطفل الذي انبهر بكثرة العناوين إلى قارئ يعود إلى الكتاب من تلقاء نفسه؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من نجاح المعارض، بل ربما تمنحها معنى أعمق. فنجاح معرض الكتاب لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الزوار أو حجم المبيعات، وإنما أيضًا بما يتركه من أثر في علاقة الناس بالقراءة والمعرفة.

قد تكون صورة الطفل وهو يحمل كتابًا أهم من صورة الكبار وهم يحملون عشرات الأكياس، لأن ذلك الطفل قد يكون قارئ الغد. وقد تكون رواية واحدة قرأها شاب بصدق أعمق أثرًا من مكتبة كاملة اشترى صاحبها كتبها ولم يجد وقتًا لقراءتها.

في النهاية، ليست القضية كم كتابًا اشترينا، ولا كم كتابًا نملك في منازلنا، وإنما ماذا فعلت تلك الكتب بنا.

إذا خرج الزائر من المعرض وفي يده كتاب وفضوله حي، فقد بدأ الأثر الحقيقي.

أما إذا بقيت التجربة في حدود الصور والأكياس والازدحام، فإننا نكون قد احتفلنا بالكتاب أكثر مما قرأناه.

وربما لا نحتاج إلى مزيد من الحديث عن عدد الكتب التي اشتريناها، ولا إلى التنافس في حجم المكتبات التي نملكها.

نحتاج إلى سؤال أبسط وأصدق: أي كتاب فتحناه فعلًا، وماذا غيّر فينا؟

  • كاتب وإعلامي وباحث في الإعلام والثقافة
مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.