التراث ليس صورة قديمة

سالم الكتبي
نخطئ أحيانًا حين نضع التراث في إطار جميل، ثم نطلب منه أن يبقى كما هو.
نحتفظ بالأبواب القديمة، ونصوّر الأزياء الشعبية، ونستعيد الأغاني القديمة، ونقيم الفعاليات التراثية، ثم نشعر أننا أدّينا واجبنا تجاه الماضي.
لكن التراث لا يعيش في الصور.
التراث الحقيقي هو ما بقي في طريقة كلام الناس، وفي وصفاتهم، وحكاياتهم، وأسماء الأماكن، وفي علاقتهم بالبحر والصحراء والبيت والسوق والجيران. إنه ذاكرة المجتمع وهي تتحرك في الحاضر.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للتراث ليس أن يختفي فجأة، وإنما أن يتحول إلى ديكور.
حين يصبح التراث مجرد خلفية لفعالية أو مادة للعرض، نفقد أهم ما فيه: قدرته على تفسير الإنسان الذي أنتجه.
كل قطعة تراثية وراءها قصة، وكل حرفة وراءها معرفة، وكل أغنية شعبية تختزن تجربة، وحتى الكلمات التي تبدو عادية قد تحمل تاريخًا لم يعد أحد يعرفه.
من هنا تبدأ مسؤولية المؤسسات الثقافية.
ليس المطلوب فقط حفظ الأشياء، وإنما حفظ المعنى. وهذا يتطلب الاستماع إلى كبار السن قبل أن تختفي شهاداتهم، وتوثيق اللهجات والحكايات الشعبية، وتصوير الحرفيين أثناء العمل، وتسجيل الأغاني والروايات الشفوية، وربط التراث بالبحث والتعليم والمحتوى الرقمي.
والأهم أن نمنح الشباب فرصة لإعادة اكتشاف تراثهم بلغتهم هم.
ليس ضروريًا أن يرتدي الشاب لباسًا قديمًا حتى يحب تراثه. قد يكتشفه من خلال فيلم، أو لعبة رقمية، أو قصة مصوّرة، أو وثيقة أرشيفية، أو تجربة فنية معاصرة.
فالتراث لا يطلب منا أن نعود إلى الماضي، بل أن نفهمه.
وهنا تظهر قيمة التجارب الثقافية التي تنظر إلى التراث باعتباره مادة حيّة يمكن أن تدخل في التعليم والفن والتصميم والأدب والسياحة والصناعات الإبداعية.
وقدّمت الشارقة خلال العقود الماضية نموذجًا لافتًا في التعامل مع التراث بوصفه جزءًا من هوية المدينة، لا مجرد ذاكرة محفوظة خلف الأبواب.
لكن التحدي مستمر.
فكل جيل يعيد تعريف علاقته بالماضي، وكلما تغيّرت أدوات التواصل، تغيّرت الطريقة التي ينبغي أن نحكي بها هذا الماضي.
لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا ورثنا؟
الأهم أن نسأل: ماذا فهمنا مما ورثناه، وماذا سنترك للأجيال المقبلة؟
فالتراث الذي لا يدخل الحياة يتحول إلى متحف، أما التراث الذي يفهمه الحاضر ويعيد إنتاج معانيه، فيصبح مستقبلًا أيضًا.
