النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات19 أغسطس 2026النادي الثقافي العربي - الشارقة

الثقافة التي لا تصل إلى الناس.. لمن تُنتج؟

الثقافة التي لا تصل إلى الناس.. لمن تُنتج؟

آدم الكتبي

هناك سؤال بسيط، لكنه أقل حضورًا مما ينبغي في حديثنا عن الثقافة: ماذا يحدث حين تصبح الثقافة بعيدة عن الناس الذين يُفترض أن تكون بينهم؟

قد تمتلئ القاعات، وتزدحم الندوات، وتتعدد الإصدارات، وتكثر الصور التي توثق الفعاليات، ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا: هل خرجت الثقافة من القاعة إلى الحياة؟

ليست المشكلة في كثرة الفعاليات، ولا في وجود المؤسسات الثقافية، ولا في جمهورها التقليدي. المشكلة تبدأ حين تتحول الثقافة إلى دائرة مغلقة، تعرف كيف تخاطب الذين يعرفونها أصلًا، لكنها لا تجد دائمًا اللغة والوسائل التي تصل بها إلى من يقف خارجها.

الثقافة الحقيقية لا تحتاج إلى تبسيط نفسها حتى تفقد عمقها، لكنها تحتاج إلى أن تجد طريقها إلى الناس. فالكتاب لا تقل قيمته لأنه وجد قارئًا جديدًا عبر الهاتف، والمحاضرة لا تفقد جديتها لأنها وصلت إلى جمهور لم يدخل قاعة ثقافية من قبل، والمسرح لا يتنازل عن مكانته حين يبحث عن جمهور شاب.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام المؤسسات الثقافية اليوم هو الانتقال من سؤال: «ماذا سنقدم؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «لمن نقدم؟»

قد يبدو هذا التحول بسيطًا، لكنه يغير طريقة التفكير كلها. فالشاب الذي لا يذهب إلى الندوة ليس بالضرورة غير مهتم بالثقافة. ربما لم يجد فيها ما يلامس أسئلته، أو لم يجد اللغة التي تخاطبه، أو لم يشعر بأن المكان الثقافي جزء من حياته اليومية.

وهنا تتحول الثقافة من مجرد برنامج يُعلن عنه ويُنفذ في موعد محدد، إلى فعل اجتماعي مستمر، يقترب من الناس بقدر ما يقترب الناس منه.

فالمؤسسة الثقافية الناجحة ليست بالضرورة التي تنتج أكبر عدد من الفعاليات، وإنما التي تترك أثرًا بعد انتهاء الفعالية: فكرة تستقر في ذهن قارئ، وكتاب يدفع شابًا إلى قراءة كتاب آخر، ومسرحية تفتح سؤالًا، ومعرض يجعل طفلًا يرى مدينته بعين مختلفة.

وفي الشارقة، تبدو التجربة الثقافية أوسع من مفهوم الفعالية العابرة؛ فقد ارتبطت الثقافة بالكتاب والمكتبة والمسرح والفنون والتراث، وبالسعي إلى جعل المعرفة جزءًا من المشهد اليومي للمدينة. غير أن اتساع التجربة لا يلغي الحاجة إلى السؤال الدائم: هل ما زلنا نصل إلى الجمهور الجديد؟

هذا السؤال ليس اتهامًا، بل شرط للاستمرار.

فالجمهور لا يبقى ثابتًا، والأجيال تتغير، ووسائل تلقي المعرفة تتبدل بسرعة. وما كان يجذب القارئ أو المشاهد قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك لا يكفي أن تنتظر الثقافة جمهورها؛ عليها أحيانًا أن تذهب إليه، وأن تستمع إلى أسئلته، وأن تفهم تحولات اهتماماته، وأن تفتح له أبوابًا جديدة للدخول إلى عالمها.

الثقافة التي تخاف من الجمهور الجديد قد تتحول، مع الوقت، إلى ذاكرة مغلقة. أما الثقافة التي تنفتح على الناس، وتستمع إليهم، وتفهم تحولاتهم، فإنها تستطيع أن تحافظ على جوهرها من دون أن تعزل نفسها عن الحياة.

وليس المطلوب أن تختار الثقافة بين النخبة والجمهور، ولا بين العمق والانتشار. فالمشكلة ليست في أن تكون الثقافة نخبوية أو جماهيرية، وإنما في أن تتوقف عن صناعة جمهور جديد.

فكل كتاب جديد يحتاج إلى قارئ، وكل مسرح يحتاج إلى مشاهد، وكل فكرة تحتاج إلى من يحملها إلى ما هو أبعد من القاعة والمنصة والفعالية.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم فعالية أقيمت؟ وكم كتابًا صدر؟ وكم شخصًا حضر؟

السؤال الأهم هو: ماذا بقي بعد أن انتهت الفعالية؟ ومن وصلته الثقافة للمرة الأولى؟

وعندما يصبح هذا السؤال جزءًا من التفكير الثقافي نفسه، تتحول الثقافة من نشاط يُقدَّم للناس إلى مساحة يعيشون فيها ويجدون أنفسهم وأسئلتهم ومستقبلهم.

عندها فقط يمكن أن نعيد طرح السؤال الأول بجدية: لمن تُنتج الثقافة؟

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.