حين يصبح القارئ أقل صبرًا.. ماذا تفعل الثقافة؟

ياسر الراوي
لم يعد القارئ اليوم يفتح كتابًا وهو بعيد عن كل ما حوله؛ قد يقرأ فقرة، ثم ينتقل إلى رسالة، ثم إلى مقطع فيديو، ثم إلى خبر، قبل أن يعود إلى النص بعد دقائق، وقد فقد الخيط الذي كان يمسك به.
لم يتغير الإنسان وحده، بل تغير إيقاع انتباهه.
الهاتف لم يجعلنا أقل ذكاءً، لكنه جعلنا نعيش وسط منافسة مستمرة على انتباهنا. كل منصة تريد لحظة من أعيننا، وكل إشعار يطالب بجزء من تركيزنا، وكل محتوى مصمم لكي يقودنا بسرعة إلى محتوى آخر.
في هذا العالم، تبدو القراءة الطويلة فعلًا يشبه المقاومة.
لكن هل المطلوب أن تتخلى الثقافة عن الكتاب لصالح الفيديو القصير؟
بالتأكيد لا.
فالثقافة لا ينبغي أن تهزم نفسها كي تكسب جمهورًا سريعًا، ولا أن تتخلى عن العمق لمجرد أن زمن التلقي أصبح أسرع. المطلوب هو أن تعيد اكتشاف طرق الوصول.
القارئ الجديد ليس عدوًا للكتاب. إنه قارئ يعيش في زمن مختلف. قد يقرأ رواية على الورق، ثم يناقشها عبر منصة رقمية، ويستمع إلى بودكاست عن كاتبها، ويبحث عن قصيدة عبر هاتفه.
المشكلة ليست في الوسيلة، وإنما في افتراض أن القارئ سيأتي إلينا بالطريقة التي اعتدناها.
لقد تغيرت عادات التلقي، وأصبحت الثقافة مطالبة بأن تفهم هذا التغير من دون أن تستسلم له. فالقراءة العميقة تحتاج إلى وقت، والوقت أصبح من أكثر الأشياء ندرة في الحياة الحديثة.
لهذا، ربما علينا أن نتعامل مع القراءة بوصفها تدريبًا على استعادة الانتباه.
فالكتاب لا ينافس الهاتف في السرعة، ولا ينبغي له أن يفعل. قوته في مكان آخر: في البطء الذي يسمح للفكرة بأن تنضج، وللشخصية بأن تتشكل، وللقارئ بأن يتوقف قليلًا ليرى نفسه وأسئلته من خلال ما يقرأ.
لكن الوصول إلى هذا البطء يحتاج إلى بوابة.
وهنا يأتي دور المدرسة والأسرة والمكتبة والمؤسسة الثقافية. ليس المطلوب أن نقنع الشاب بأن يترك عالمه الرقمي، بل أن نفتح داخل هذا العالم نافذة تقوده إلى قراءة أعمق.
يمكن للمؤسسة الثقافية أن تقدم كتابًا في دقيقة، لكنها يجب أن تساعد القارئ على اكتشاف لماذا يستحق هذا الكتاب ساعة من وقته.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالترويج للكتاب، بل ببناء علاقة جديدة معه؛ علاقة تبدأ من الوسائل التي اعتادها القارئ، ثم تقوده تدريجيًا إلى ما هو أبطأ وأعمق وأكثر قدرة على البقاء.
ربما لا تكون أزمة القراءة اليوم أن الناس لا يملكون الكتب، بل أنهم فقدوا القدرة على منحها الوقت.
وهذه مشكلة أكبر.
لأن مجتمعًا لا يستطيع التركيز طويلًا يصبح أكثر عرضة للأفكار السريعة، والأحكام الجاهزة، والمعلومات المبتورة. وحين يضعف الانتباه، لا تتراجع القراءة وحدها؛ تتراجع معها قدرتنا على التأمل، والمقارنة، وفهم الأفكار في سياقاتها.
لذلك، عندما يصبح القارئ أقل صبرًا، لا ينبغي للثقافة أن تصبح أكثر سطحية.
ينبغي أن تصبح أكثر ذكاءً في الوصول، وأكثر إصرارًا على العمق.
فالثقافة لا تستطيع أن توقف سرعة العالم، لكنها تستطيع أن تمنح الإنسان مساحة يستعيد فيها قدرته على التمهل.
وفي زمن تتنافس فيه الشاشات على كل ثانية من انتباهنا، قد لا يكون الكتاب مجرد وسيلة للقراءة، بل مساحة لاستعادة شيء أصبح نادرًا: القدرة على أن نبقى مع فكرة واحدة وقتًا كافيًا حتى نفهمها.
وربما لهذا، فإن الانتباه في زمن السرعة لم يعد مجرد مهارة شخصية؛ لقد أصبح أحد أشكال المقاومة الثقافية.
