هل أصبح الوصول إلى الثقافة أصعب من إنتاجها؟

رامي السعدي
لم تعد المشكلة أن الثقافة قليلة. الكتب أكثر، والمنصات أكثر، والندوات والمعارض والمهرجانات تتكاثر، والمحتوى الثقافي يعبر الشاشات كل يوم بأشكال لا تكاد تنتهي.
ومع ذلك، يظل هناك شعور غريب بأن الوصول إلى ما يستحق أصعب مما كان.
نحن لا نعيش نقصاً في المحتوى، بل وفرة تكاد تتحول إلى حجاب.
في الماضي كان القارئ يبحث عن الكتاب. أما اليوم، فالكتاب يبحث عن قارئ وسط آلاف الكتب. والفكرة الجيدة لا تواجه الأفكار الرديئة وحدها، وإنما تواجه أيضاً ضجيجاً هائلاً من الأشياء التي تطلب الانتباه في اللحظة نفسها.
وهنا تتغير طبيعة السؤال الثقافي.
لم يعد كافياً أن تنتج المؤسسة الثقافية محتوى جيداً. عليها أن تعرف كيف توصله إلى الإنسان المناسب، في الوقت المناسب، وباللغة التي تجعله يتوقف لحظة عن التصفح.
الوصول ليس مسألة تقنية فقط. إنه مسألة ثقافية.
قد يكون المحتوى ممتازاً، لكن طريقه إلى الجمهور معقد. وقد تكون الفكرة عميقة، لكنها تقدم بطريقة تجعلها بعيدة عن القارئ. وقد يقام حدث مهم، لكن الإعلان عنه لا يصل إلا إلى أولئك الذين يعرفون المؤسسة أصلاً.
وهكذا تصبح الثقافة أحياناً محاصرة داخل جمهورها المعتاد.
المطلوب ليس مطاردة الأرقام، ولا تحويل الثقافة إلى سباق على المشاهدات. الأرقام تكشف شيئاً، لكنها لا تكشف كل شيء. فمشاهدة عابرة لا تعني بالضرورة اهتماماً، والإعجاب لا يعني اقتناعاً، والوصول إلى الشاشة لا يعني الوصول إلى العقل.
الثقافة تصل حقاً عندما تنتقل من الشاشة إلى الفكر، ومن الفكر إلى السلوك.
عندما يقرأ شخص مقالاً فيعود إلى كتاب، أو يشاهد حواراً فيبحث عن موضوعه، أو يتعرف إلى شاعر فيبدأ بقراءة أعماله، أو يرى معرضاً فيكتشف تاريخ المكان الذي يعيش فيه؛ عندها يتحول الوصول إلى أثر.
ولذلك تحتاج المؤسسات الثقافية اليوم إلى أن تفكر في دورها بطريقة مختلفة. ليس المطلوب فقط أن تنتج، بل أن تختار، وتحرر، وتبسط الطريق، وتضع المعرفة أمام الجمهور من دون أن تفقدها عمقها.
في عالم مزدحم بالأصوات، ليست الثقافة مطالبة بأن تكون الصوت الأعلى. ربما يكفي أن تكون الصوت الذي يستحق أن يُسمع.
فالضجيج سريع، لكنه لا يعيش طويلاً. أما الفكرة الجيدة، فإذا وجدت طريقها إلى عقل مستعد لها، فقد تبدأ من قارئ واحد ثم تتسع من دون أن تعرف حدودها.
لهذا ربما لم يعد التحدي الأكبر هو إنتاج الثقافة، وإنما العثور على الطريق الذي يجعلها تصل.
أن تنتج كتاباً، أو محاضرة، أو معرضاً، أو مقالاً، أمر يمكن التخطيط له.
أما أن تجعل الفكرة تصل إلى إنسان فتغيّر شيئاً في داخله، فهذه هي المهمة الثقافية الأصعب.
وهي، في النهاية، المهمة التي تستحق كل هذا العناء.
- كاتب وصحفي
