النادي الثقافي العربي - الشارقة
المقالات25 سبتمبر 2026فهد النعيمي

المدينة التي لا تحكي قصتها

المدينة التي لا تحكي قصتها

ثمة مدن نعرفها من صورها، وأخرى نعرفها من مبانيها، وثالثة تكاد تختصر في اسمٍ يسبقها كلما ورد ذكرها. لكن ماذا عن المدينة التي لا تروي قصتها بنفسها؟ هل يكفي أن يكون لها تاريخ كي تكون لها ذاكرة؟ وهل يمكن لمكان أن يعيش طويلًا من دون أن يعرف كيف يقدّم نفسه لأبنائه وللآخرين؟

السردية ليست قائمة بالأحداث التي وقعت في مكان ما، وليست نسخة أخرى من كتاب التاريخ. إنها الطريقة التي تفهم بها المدينة علاقتها بما مرّ عليها، وما تركه أهلها فيها، وما بقي من أصواتهم بعد أن غابوا. ولذلك فإن غياب السردية لا يعني غياب الماضي، بل يعني أن الماضي موجود من دون صوت يجمع شظاياه.

المؤرخ ضروري لأنه يفتش عن الوثيقة، ويختبر الرواية، ويفصل بين ما حدث وما قيل إنه حدث. لكنه لا يستطيع أن يضع كل المدينة في أرشيف. هناك تفاصيل لا تظهر في السجلات: عادة قديمة، مهنة اندثرت، مقهى كان ملتقى لأهل الحي، أو اسم أطلقه الناس على مكان وظل متداولًا من دون أن يعرف أحد متى بدأ.

وهنا يأتي الكاتب، لا ليزاحم المؤرخ، بل ليصغي إلى ما وراء الوقائع. الكاتب يمنح التفاصيل الصغيرة قدرة على الكلام، ويستطيع أن يجعل شارعًا عابرًا حاملًا لسيرة جيل، أو يجعل حكاية شخص مجهول مدخلًا لفهم تحوّل اجتماعي أوسع.

والفنان لا يحتاج دائمًا إلى شرح المدينة. قد يكفي أن يرسم نافذة قديمة، أو يصوّر سوقًا قبل أن يتغير، أو يستعيد مشهدًا من حياة الناس، ليترك للعين مهمة استكمال ما عجزت الكلمات عن قوله.

أما الإعلام، فمسؤوليته أكثر يومية. فهو الذي يحدد، بصورة متكررة، ما الذي يستحق أن يدخل الذاكرة العامة. وإذا ظل يلاحق الحدث العابر ويترك التفاصيل التي تصنع شخصية المكان، فإنه قد يوثّق حركة المدينة من دون أن يوثّق روحها.

ويبقى سكان المدينة أصحاب الذاكرة الأكثر قربًا من التفاصيل. هم الذين يعرفون الأماكن بأسمائها القديمة، ويتذكرون من مرّ بها، وما الذي تغير، وما الذي اختفى. لكن ذاكرتهم، مثل كل ذاكرة بشرية، تحتاج إلى من يصغي إليها ويقارنها ويوثقها قبل أن تحملها السنوات إلى النسيان.

لهذا لا تكتب المدينة سرديتها جهة واحدة. المؤرخ يمنحها الوثيقة، والكاتب يمنحها اللغة، والفنان يمنحها الصورة، والإعلام يمنحها الحضور، والسكان يمنحونها الذاكرة الحية.

وحين تتجاور هذه الأصوات، لا تولد رواية واحدة مغلقة، بل صورة أكثر اتساعًا للمدينة.

فالمدينة التي لا تحكي قصتها لا تفقد ماضيها فقط؛ إنها تترك الآخرين يختارون أيَّ جزء من ماضيها يستحق أن يُروى.

وربما تكون المهمة الثقافية الأهم أن نمنح المدينة القدرة على الكلام، قبل أن يصبح الصمت هو الرواية الوحيدة التي بقيت منها.

مشاركة:

ابقَ على اطلاع دائم

اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك آخر أخبار الفعاليات والنشاطات الثقافية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.