ما الذي تفقده المدن حين تتشابه حكاياتها؟

ليست خسارة المدن في أن تتغير ملامحها، أو أن تختفي من شوارعها أبنية ألفها الناس، فالعمران بطبيعته لا يكف عن تبديل جلده. الخسارة الأعمق أن تفقد المدينة قدرتها على رواية نفسها، وأن تصبح صورتها قابلة للاستنساخ في عشرات الأمكنة، فلا يعود المرء قادراً على تمييز روحها من واجهاتها، ولا تاريخها من كتيبات التعريف بها.
ثمة مدن تتقن تقديم نفسها للزائر، لكنها لا تعرف كيف تحدثه عن أهلها. تعرض المباني، وتحصي المرافق، وتضيء الساحات، غير أن ما يجعل المكان جديراً بالتذكر لا يقع دائماً تحت الضوء. قد يكون في طريقة استقبال الغرباء، أو في مفردة محلية لا يفهمها إلا أبناؤها، أو في عادة صغيرة تتوارثها العائلات من غير أن تجد سبباً لتدوينها. هذه التفاصيل لا تدخل عادة في حسابات التطوير، مع أنها تمنح المكان شخصيته التي لا تُشترى ولا تُستعار.
المشكلة لا تكمن في الحداثة، بل في الطريقة التي نفهم بها التقدم. حين يصبح التشابه دليلاً على النجاح، تبدأ المدن بالتنازل عن خصوصيتها من دون أن تشعر. تتكرر المقاهي بتصاميمها، وتتقارب واجهات المتاجر، وتتشابه التجارب التي تعرضها المؤسسات للزوار. ثم تأتي اللغة لتكمل ما بدأه العمران؛ عبارات جاهزة تصف كل مكان بأنه استثنائي، وكل مشروع بأنه نوعي، وكل تجربة بأنها ملهمة. ومع كثرة الاستخدام، تفقد الكلمات قدرتها على التمييز، وتغدو المدن متشابهة في وصف نفسها قبل أن تتشابه في ملامحها.
لكن هوية المكان ليست زينة تراثية تُضاف إلى مشروع حديث كي يبدو أكثر أصالة. إنها معرفة حية تتكون من علاقة الناس بمحيطهم، ومن قدرتهم على فهم ما ورثوه وإعادة تأويله. فالتراث الذي لا يدخل في أسئلة الحاضر يتحول إلى مقتنيات صامتة، والحداثة التي تقطع صلتها بالذاكرة تنتهي إلى بناء لا يعرف لماذا يقف هنا، لا في مكان آخر.
من هنا، تصبح الثقافة أكثر من نشاط موسمي أو برنامج للترفيه المعرفي؛ إنها الوسيلة التي تستعيد بها المدن حقها في الاختلاف. فالمسرح يستطيع أن يمنح الحكايات المحلية أصواتاً جديدة، والكتاب قادر على إنقاذ المفردات من النسيان، والفن يفتح للناس نافذة يرون عبرها تفاصيل اعتادوا المرور بجانبها من دون انتباه. غير أن هذه الوظائف لا تتحقق بمجرد إقامة الفعاليات، بل بمدى اتصالها بحياة المجتمع، وبقدرتها على إشراك الناس في إنتاج المعنى، لا الاكتفاء بدعوتهم إلى مشاهدته.
وتحتاج المؤسسات الثقافية، في هذا السياق، إلى سؤال يتجاوز عدد الزوار وحجم البرامج: ماذا أضافت إلى وعي الناس بمكانهم؟ هل منحتهم لغة أدق لوصف تجاربهم؟ هل كشفت عن حكاية لم تكن مسموعة، أو أتاحت لفئة من المجتمع أن تجد صورتها في المجال العام؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الأرقام، لكنها تمنعها من احتكار تعريف النجاح.
إن المدينة التي تعرف نفسها لا تخشى التغيير، لأنها لا تختزل هويتها في شكل ثابت. تستطيع أن تستقبل الجديد من دون أن تذوب فيه، وأن تتطلع إلى المستقبل من دون أن تتعامل مع ماضيها باعتباره عبئاً ينبغي التخلص منه. وهي لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تثبت اختلافها؛ يكفي أن يكون لها معنى خاص في حياة سكانها.
ربما لا يكون التحدي الحقيقي أن نبني مدناً أكثر حداثة، بل أن نحمي قدرتها على إنتاج حكايات لا تشبه سواها. فالمباني يمكن أن تتكرر، والخدمات يمكن أن تتقارب، أما العلاقة الصادقة بين الإنسان ومكانه فلا تصنعها الخرائط وحدها. إنها تنمو كلما وجد الناس في مدينتهم ما يستحق أن يُروى، وما يجعلهم يشعرون بأنهم لا يعيشون فيها فحسب، بل يضيفون إلى معناها شيئاً من حياتهم.
